كتاب
صواريخ في السماء.. وشائعات في المجالس!
تاريخ النشر: 18 يونيو 2025 22:27 KSA
من طهران إلى تل أبيب، لا تُقاس المواجهة فقط بعدد الصواريخ التي حلَّقت في السماء، بل بعدد العناوين المضلِّلة التي هبطت علينا فجأةً، وكأنَّها قادمة من نفس المنصَّات!
ما إنْ تندلع أزمة في المنطقة، حتَّى تتأهَّب المجالس، وتشتعل الهواتف، وتتحوَّل مواقع التواصل إلى ساحات تحليل إستراتيجيٍّ، يتحدَّث فيها القاصي والدَّاني، الخبير والهاوي، العاقل والمُندفع، وكأنَّ الحديث عن احتمال اشتعال حربٍ إقليميَّةٍ لا يختلف عن نقاش حول تبديل مدرِّب الفريق في منتصف الموسم.
تبدأ النشرة المسائيَّة داخل مجلس الأصدقاء، قبل نشرات الأخبار بساعة، يتحدَّث أحدهم بثقةٍ مُفرطة عن تحرُّك «الفرقاطات»، ويضيف آخر إنَّ الصواريخ التي أطلقتها إيران مصنوعة بتقنية روسيَّة، لا تُكتشف بالرادار، وثالث يهمس بأنَّ الردَّ المقبل سيكون خلال 48 ساعةً... دون مصدرٍ، دون تدقيقٍ، دون وعيٍ بأنَّ ما يُقال قد يختلط في أذهان الناس بين التَّحليل والرَّغبة والتَّخمين. والنتيجة؟
مجتمع يعيش حالة طوارئ عاطفيَّة، يتنقل بين الترقُّب والذُّعر والتَّأويل، وكل ذلك بوقودٍ من إشاعاتٍ مُصاغة بإخراجٍ جيدٍ، منتشرة بسرعة الضوء، مدعومة بعناوين مصممة لتخطف الانتباه لا لتُخبر الحقيقة.
محرِّكات البحث -للأسف- لم تعد حليف الباحثين عن الحقيقة، بل باتت وكأنَّها مرآة لعاداتنا في النَّقر، ترينا ما نُحبُّ لا ما نحتاجُ. نكتب ثلاث كلمات: «إيران»، «إسرائيل»، «هجوم»، وتتكفَّل الخوارزميَّات بالباقي: تقارير مشكوك فيها، مقالات بلا مصادر، صور قديمة بُعثت من أرشيف سنوات مضت، وأصوات انفجارات مقتبسة من ألعاب إلكترونيَّة.
وفي وسط هذا الضجيج، تختلط الجديَّة بالهزل، وتضيع الحقيقة بين رغبتين: رغبة في التَّصديق، ورغبة في إثارة الدَّهشة.
وفي الفضاء الرقميِّ، لا تنتصر المعلومة الأدق، بل العنوان الأجرأ.
لكنَّ المشكلة لا تتوقَّف هنا.
الأخطر أنَّ هذا الانجراف خلف العناوين لم يعد حكرًا على لحظات الحرب والأزمات. حتَّى في القضايا الداخليَّة، تنتشر إشاعات عن قرارات لم تُتَّخذ، ومعلومات عن تغييرات لم تحدث، ويكفي أنْ يُركِّب أحدهم تصميمًا، أو فيديو، ويذيِّله بعبارة «عاجل»، ليتحوَّل إلى مصدر موثوق في غضون دقائق. كل ذلك لا يعني أنَّ المجتمع ساذج، ولا أنَّ النَّاس لا تملك وعيًا، بل إنَّ الأخطر من الجهل أحيانًا، هو الثقة الكاملة بوعي غير مكتمل، والثقة الزائدة بمنصَّات لا تُعنى بالحقيقة بقدر عنايتها بعدد التفاعلات.
في زمن الأزمات، المطلوب ليس أنْ تتحوَّل المجالس إلى مراكز أبحاث، ولا أنْ يصبح كل مستخدم خبيرًا في السياسة الدوليَّة. المطلوب فقط: أنْ نُعيد الاعتبار لفعل «التريُّث»، أنْ نتحقَّق قبل أنْ نُشارك، أنْ نصمت حين لا نعلم. الحروب تُدار في الميدان، لكنَّ آثارها تنتشرُ في العقول.
ما إنْ تندلع أزمة في المنطقة، حتَّى تتأهَّب المجالس، وتشتعل الهواتف، وتتحوَّل مواقع التواصل إلى ساحات تحليل إستراتيجيٍّ، يتحدَّث فيها القاصي والدَّاني، الخبير والهاوي، العاقل والمُندفع، وكأنَّ الحديث عن احتمال اشتعال حربٍ إقليميَّةٍ لا يختلف عن نقاش حول تبديل مدرِّب الفريق في منتصف الموسم.
تبدأ النشرة المسائيَّة داخل مجلس الأصدقاء، قبل نشرات الأخبار بساعة، يتحدَّث أحدهم بثقةٍ مُفرطة عن تحرُّك «الفرقاطات»، ويضيف آخر إنَّ الصواريخ التي أطلقتها إيران مصنوعة بتقنية روسيَّة، لا تُكتشف بالرادار، وثالث يهمس بأنَّ الردَّ المقبل سيكون خلال 48 ساعةً... دون مصدرٍ، دون تدقيقٍ، دون وعيٍ بأنَّ ما يُقال قد يختلط في أذهان الناس بين التَّحليل والرَّغبة والتَّخمين. والنتيجة؟
مجتمع يعيش حالة طوارئ عاطفيَّة، يتنقل بين الترقُّب والذُّعر والتَّأويل، وكل ذلك بوقودٍ من إشاعاتٍ مُصاغة بإخراجٍ جيدٍ، منتشرة بسرعة الضوء، مدعومة بعناوين مصممة لتخطف الانتباه لا لتُخبر الحقيقة.
محرِّكات البحث -للأسف- لم تعد حليف الباحثين عن الحقيقة، بل باتت وكأنَّها مرآة لعاداتنا في النَّقر، ترينا ما نُحبُّ لا ما نحتاجُ. نكتب ثلاث كلمات: «إيران»، «إسرائيل»، «هجوم»، وتتكفَّل الخوارزميَّات بالباقي: تقارير مشكوك فيها، مقالات بلا مصادر، صور قديمة بُعثت من أرشيف سنوات مضت، وأصوات انفجارات مقتبسة من ألعاب إلكترونيَّة.
وفي وسط هذا الضجيج، تختلط الجديَّة بالهزل، وتضيع الحقيقة بين رغبتين: رغبة في التَّصديق، ورغبة في إثارة الدَّهشة.
وفي الفضاء الرقميِّ، لا تنتصر المعلومة الأدق، بل العنوان الأجرأ.
لكنَّ المشكلة لا تتوقَّف هنا.
الأخطر أنَّ هذا الانجراف خلف العناوين لم يعد حكرًا على لحظات الحرب والأزمات. حتَّى في القضايا الداخليَّة، تنتشر إشاعات عن قرارات لم تُتَّخذ، ومعلومات عن تغييرات لم تحدث، ويكفي أنْ يُركِّب أحدهم تصميمًا، أو فيديو، ويذيِّله بعبارة «عاجل»، ليتحوَّل إلى مصدر موثوق في غضون دقائق. كل ذلك لا يعني أنَّ المجتمع ساذج، ولا أنَّ النَّاس لا تملك وعيًا، بل إنَّ الأخطر من الجهل أحيانًا، هو الثقة الكاملة بوعي غير مكتمل، والثقة الزائدة بمنصَّات لا تُعنى بالحقيقة بقدر عنايتها بعدد التفاعلات.
في زمن الأزمات، المطلوب ليس أنْ تتحوَّل المجالس إلى مراكز أبحاث، ولا أنْ يصبح كل مستخدم خبيرًا في السياسة الدوليَّة. المطلوب فقط: أنْ نُعيد الاعتبار لفعل «التريُّث»، أنْ نتحقَّق قبل أنْ نُشارك، أنْ نصمت حين لا نعلم. الحروب تُدار في الميدان، لكنَّ آثارها تنتشرُ في العقول.