كتاب

هوامـــــــــــش

من أجمل الكتب التي قرأتها هو «أعلام الفلسفة العربية» للكاتبين كمال يازجي وأنطون كرم.. قرأت أجزاء منه المرة الأولى كأحد الكتب المقررة عندما كنت طالباً في الجامعة منذ أكثر من خمسين سنة، وكان مملاً، ثم قرأت نفس الأجزاء مرة ثانية عندما أهداني والدي - رحمه الله- نسخته الخاصة، فاكتشفت الكثير.. ووجدت في نسخة أبي الكثير من الملاحظات الجميلة على هامش العديد من الصفحات.. في بعضها يتفق ويؤيد، وفي البعض الآخر يُعارض بشدة، وفي بعضها يستعجب، وكنتُ أشعر أنني بجانبه، وكأننا الأربعة: والدي الغالي، والمؤلفان يازجي، وكرم، وأنا في حوارات متعددة بعضها هادئة، وأخرى صاخبة وساخنة، وكلها عميقة. والهوامش لها حكاياتها في مجالات متعددة، كل منها له خصائصه المختلفة.

من أغرب وأشهر الهوامش على الإطلاق، قصة من عالم الرياضيات: في عام 1637 قام الفرنسي «بيير فرمات»، بوضع معادلة رياضية بسيطة جداً في شكلها، وعميقة جداً في معناها. كتبها في متن مذكراته، وذكر أن عنده الإثبات الرياضي لها، ولكن هامش المذكرات لم يكفِ لكتابة التفاصيل، وأنه سيكتب الإثبات لاحقاً.. ثم توفاه الله.. مات فرمات بدون الإثبات.. واحتار علماء الرياضيات من الشرق والغرب لإثبات النظرية أو الحدسية كما كانت تُسمَّى. وحاول مئات العلماء من الشرق والغرب إثباتها خلال فترة زادت عن ثلاثمائة وخمسين سنة.. وخلال تلك المحاولات الفاشلة التي استغرقت ملايين الساعات من العمل الدؤوب، انتحر أحدهم، وأصيب أكثر من عالم منهم بالانهيار العصبي التام بسبب عدم قدرتهم على إثباتها. وفي 1986 بدأ العالم الإنجليزي البروفسور «أندرو وايلز» بإنجلترا في العمل بسريةٍ كاملة لإثبات النظرية. وبعد سبع سنوات وصل إلى الحل، فقدَّمه في ثلاث محاضرات خلال ثلاثة أيام متتالية، بتاريخ 23 يونيو 1993 في جامعة كامبريدج بحضور عشرات العلماء. وكانت أوراقه العلمية للإثبات تزيد عن المائة صفحة. وجاءت الصدمة أن هناك أخطاء في الحل المقدَّم، ولذا فعاد البروفسور «وايلز» للمعركة، وبعد صراعات طويلة نشر الحل، فدخل التاريخ وحصل على أعلى الأوسمة والجوائز.


وللهوامش جوانبها الداكنة المخجلة، نراها اليوم في تهميش الملايين من البشر بسبب الحروب والصراعات المسلحة. فضلا تأمَّل في مجموعات الضحايا الأبرياء، الذين لم يُقتلوا أو يُصابوا في تلك الصراعات، وغالباً يرى العالم أنهم خارج حسابات المتضررين بالرغم أن ملايين منهم سُلِبُوا أبسط حقوقهم الشخصية الجوهرية. أشير هنا إلى حقوق تنفُّس الهواء غير الملوَّث، والماء، والغذاء، والمأوى، والعلاج، والتعليم. فضلاً الإحاطة أن عدد الحروب والنزاعات المسلحة حول العالم اليوم؛ يزيد عن الأربعين. وفي كل منها نجد أن هناك ملايين البشر من الضحايا خارج الأرقام الرسمية. لم يُقتلوا أو يُصابوا بجروح، ولكن تلك الصراعات تحرمهم من الأطر الأساسية للحقوق الإنسانية، وأثناء قراءتك لهذه الكلمات، تأمَّل في معاناة عدد ضحايا الحرب ضد المدنيين في غزة الغالية، وفي السودان الشقيقة، واليمن العزيزة.

* أمنيـــــة:


قد لا نفكر في أهمية الهوامش بأبعادها المختلفة في حياتنا، ولكن بعضها يستحق الاهتمام، وبالذات في ما يتعلق بحياة المظلومين. أتمنى أن ينصر الله المهمَّشين الأبرياء في كل مكان، وبالذات في أماكن انتشار لغة السلاح، والعنف، والظلم، والاستعباد.. وهو من وراء القصد.

أخبار ذات صلة

كيف تبيع سيارتك للسياحة؟!
لكل وجه وقامة «حكاية»
لماذا يسهل خداعنا؟!
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
;
‏إلى معالي أمين جدة.. مع التحية
الأثر الحقيقي للجامعة
هل ما زلنا نبحث عن انتباه العالم؟
فصل الموظف.. هو آخر الحلول
;
ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!