كتاب
تهنئة رمضان: من "خاتم النار" إلى "صيام رقمي"
تاريخ النشر: 18 فبراير 2026 21:57 KSA
هناك تهاني رمضانَ، تُقَال كالعُرفِ: كلماتٌ تمضِي وتُؤدَّى. وهناك تهنئةٌ تأتيك كوقفةٍ تُراجع فيها العالمَ قبل أنْ تُراجع ذاتكَ. هذا العام، وأنا أفتِّشُ عن نبرةٍ لا تُجامِلُ زمنًا مُتعبًا، وجدتُ السَّماءَ نفسها تُقدِّم لغةً جاهزةً للتَّأمُّلِ: خاتمٌ من نارٍ في كسوفٍ حلقيٍّ، وتقويمٌ آخرُ في الشَّرق الصينيِّ يفتحُ بابًا على عام «الحصان النَّاري»، عام التَّغيير السَّريع، وفي الغرب «أربعاء الرَّماد» يعلن بدءَ الصومِ الكبيرِ. تلاقت المقاماتُ في هذه الأيَّام: نارٌ في السَّماء، ورمادٌ على الجبهةِ، وصومٌ علَى الأرضِ! فقلتُ: لعلَّها ليست مصادفةً تقويميَّةً، بل إشارةٌ إلى أنَّ الضَّبط صار أندرَ من الكلامِ.
وأطروحتِي هنا بسيطةٌ: رمضانُ ليسَ موسمَ تهنئةٍ فقط، بل مدرسةٌ للتَّرقِّي بالكبح. والعصر الذي نعيشُه عصرُ سرعةٍ بلا لجامٍ في التقنيةِ، وفي السياسةِ، وفي الأخلاقِ، وفي المجتمعِ. ومَن لا يتعلَّمُ منَّا ضبط نفسه، يصعبُ عليه أنْ يدافعَ عن حاكميَّة عقلهِ وقلبهِ حين تُكتب السُّلطة في الطبقاتِ لا في الشعاراتِ.
ثُمَّ، وهنا المفارقةُ التي أوقفتنِي، أنَّني وسط هذا الثِّقل الكونيِّ والرُّوحيِّ، وجدتُنِي أتذكَّرُ اليوم العالميَّ للفطائر (Pancake Day). ليس لأنَّ العالمَ صار خفيفًا، بل لأنَّ العقلَ حين يضيقُ يلتقطُ تفصيلةً ساخرةً؛ ليشرح بها معنًى كبيرًا. الفطائرُ الدائريَّةُ النَّحيفةُ تُرصُّ فوقَ بعضها: طبقاتٌ من العجينِ الحلوِ. وفجأةً قلتُ لنفسي: هذه أوَّل مرَّة أجدُ فيها تشبيهًا بسيطًا يشرحُ للنَّاس معنى 'الستاك' بلا تنظير: طبقاتٌ فوقَ طبقاتٍ، كلُّ واحدةٍ تُخفي التي تحتها، وتكشفُ التي فوقَها، ومع ذلك كلُّها تُؤكَلُ في لقمةٍ واحدةٍ.
لكنَّ 'الستاك' الذي أقصدُه ليس مطبخًا، إِنَّما هو طبقاتُ الذَّكاءِ الاصطناعيِّ: الشَّرائح، مراكز البيانات، النماذج اللُّغويَّة، الخوارزميَّات، المنصَّات، والتَّطبيقات. كلُّ طبقةٍ تُعيدُ تعريفَ السُّلطة بغير اسمها. وهنا انتقلتُ من مزاح الفطائرِ إلى سؤالٍ أثقلَ: إذا كان هذا هو حال ستاك الذَّكاءِ الاصطناعيِّ عالميًّا، فماذا عن الستاكِ العربيِّ والإسلاميِّ؟ نموذجِنا اللُّغويِّ؟ ثقافتِنَا؟ فقهِنَا؟ مَن يحملُ القيادةَ الأخلاقيَّةَ والتَّنظيميَّةَ والتقنيَّةَ؟ مَن يُمسكُ لجامَ السُّرعة قبل أنْ تدهسنَا السُّرعةُ باسم التقدُّم؟ وربَّما كانت الإشارةُ القرآنيَّةُ إعجازًا أدقَّ من الوصفِ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾.
من هنا جاء الجوابُ عندي، لا كشعارٍ وطنيٍّ، بل كوظيفةٍ حضاريَّة: المملكة العربيَّة السعوديَّة -والحمد لله- بلادُ «عقيدة إدارة المراحل»، ليست مطالَبةً بأنْ ترفع الرَّاية وحدها، بل بأنْ تحملَ في ميزان الأُمم رايةً ونموذجًا. كيف تُدار المرحلة حين تتسارع الأدواتُ، وتتباطأ القِيمُ؟ كيف نُثبِّت عمودًا فقريًّا لحوكمةِ التقنيةِ لا يجعلنَا تابعِينَ، ولا يحبسنَا في خوفٍ من المستقبلِ؟
ثمَّ دخلتُ إلى الفقرة الأكثر قسوةً، بعد أنْ ألقيتُ الخطابَ الافتتاحيَّ في روما لدى المعهد الدوليِّ لتوحيدِ القانون الخاصِّ (يونيدروا - UNIDROIT): كيف تنزلقُ الحضاراتُ؟ ليس بالضرورة بانهيارٍ صاخبٍ، بل بانحرافٍ يُقنِّنُ نفسَه حتَّى يصبحَ هو الطبيعيُّ. كنتُ أتأمَّلُ ظلال الفاتيكان في شتاءٍ رماديٍّ، وتذكَّرتُ مقولةً قديمةً: الإمبراطوريَّات لا تنهارُ عند الأبواب، بل حين يتسرَّب الخللُ إلى أساسات الضَّمير. وقد صرخ هذا المعنى في العالم مؤخَّرًا عبر ملفَّات Epstein: علامةً على لحظةِ انفصالٍ بين اللُّغةِ والأخلاقِ، بين المؤسَّساتِ ومعنى الحمايةِ، حين تُدار الاستباحةُ كأنَّها 'بنيةٌ' محترمةٌ.
ومن هذا الانزلاق، وصلنا إلى ميونخ: مؤتمر الأمن كأنَّه ميزانُ حرارةٍ للكوكب، يقيسُ ليس فقط مستوى الخطر، بل مستوى الوضوح. هناك جاء خطابُ وزير خارجيَّة أمريكا، الذي وصف الولايات المتَّحدة بأنَّها «طفلُ أوروبا»؛ بما يوحي باعتذارٍ متأخِّرٍ عن انزلاقٍ صارَ يُقرَأ في 'الملفَّات' كعلامةٍ حضاريَّةٍ، لا كفضيحةِ أفرادٍ. وفي الجهة الأُخرى، ردَّت أوروبا بأنَّ السِّيادة الرقميَّة (digital sovereignty) خطٌّ أحمرُ، وأنَّ من لا يملك مفاتيح طبقاتهِ التقنيَّةِ لا يملكُ قرارَه فعلًا. كأنَّ العالم يقولُ لك بصراحةٍ: التحالفاتُ تُراجع نفسَها، والاقتصادُ يُعَاد تعريفُه، والسِّيادةُ صارت تُكتَب في الستاك، لا فقط في المعاهداتِ والخرائطِ.
ومع كلِّ هذا التحوُّل الكبير، لا أريدُ لرمضانَ أنْ يُقرَأ كفزعٍ من العالم. في أوقاتٍ كهذهِ نتعلَّم ما لا نتحكَّم به، فنملك -على الأقل- أنْ نتحكَّم بأنفسنَا. ومن حِكَم الصَّوم التي تُتداول: «صُومُوا تَصِحُّوا»؛ حين يشتدُّ الضجيجُ من حولك، تستطيع أنْ تُعيد ترتيبكَ الداخليَّ بفعلٍ بسيطٍ: صومٌ، وتأمُّلٌ، وتقليلٌ للانفعالِ، والعودة إلى المعنَى.
لذلك، إنْ كنتُ سأقترحُ إضافةً واحدةً لمعنى الصِّيام هذا العام، فهي: صيامٌ رقميٌّ. ليس رفضًا للتقنيةِ، بل تهذيبًا لعلاقتنا بها. ساعاتٌ يوميَّة بلا منصَّات، بلا تدفُّقٍ إجباريٍّ، بلا ستاك يسرقُ انتباهك، ثمَّ يبيعك لنفسك. صيامٌ يُعيد لك سيادتك على قلبك وعقلك، قبل أنْ نتحدَّث عن السِّيادة على الشَّبكات. من تعوَّد أنْ يمسك لجام نفسه، لن يعجزَ عن الدِّفاع عن لجام مجتمعهِ.
كلُّ عامٍ وأنتُم بخيرٍ، ورمضانُ مباركٌ، والله يعيدُه علينا وعلى الأُمَّة بأيَّامٍ ومراحلَ أحسن.
الضبطُ يبدأ في الطريف، وفي العالم يُختَبَر.
هامش توضيحيٌّ تعليميٌّ: الستاك (AI Stack) = طبقات منظومة الذَّكاء الاصطناعيِّ: الشَّرائح، مراكز البيانات، النَّماذج، الخوارزميَّات، المنصَّات، التَّطبيقات. التَّحكم بالطبقات السُّفلى يمنحُ نفوذًا فعليًّا على القرار والمعرفة. التَّنافس اليوم بين الستاك الأمريكيِّ المُهيمن في هذا المجال، والستاك الصينيِّ الصَّاعد.
وأطروحتِي هنا بسيطةٌ: رمضانُ ليسَ موسمَ تهنئةٍ فقط، بل مدرسةٌ للتَّرقِّي بالكبح. والعصر الذي نعيشُه عصرُ سرعةٍ بلا لجامٍ في التقنيةِ، وفي السياسةِ، وفي الأخلاقِ، وفي المجتمعِ. ومَن لا يتعلَّمُ منَّا ضبط نفسه، يصعبُ عليه أنْ يدافعَ عن حاكميَّة عقلهِ وقلبهِ حين تُكتب السُّلطة في الطبقاتِ لا في الشعاراتِ.
ثُمَّ، وهنا المفارقةُ التي أوقفتنِي، أنَّني وسط هذا الثِّقل الكونيِّ والرُّوحيِّ، وجدتُنِي أتذكَّرُ اليوم العالميَّ للفطائر (Pancake Day). ليس لأنَّ العالمَ صار خفيفًا، بل لأنَّ العقلَ حين يضيقُ يلتقطُ تفصيلةً ساخرةً؛ ليشرح بها معنًى كبيرًا. الفطائرُ الدائريَّةُ النَّحيفةُ تُرصُّ فوقَ بعضها: طبقاتٌ من العجينِ الحلوِ. وفجأةً قلتُ لنفسي: هذه أوَّل مرَّة أجدُ فيها تشبيهًا بسيطًا يشرحُ للنَّاس معنى 'الستاك' بلا تنظير: طبقاتٌ فوقَ طبقاتٍ، كلُّ واحدةٍ تُخفي التي تحتها، وتكشفُ التي فوقَها، ومع ذلك كلُّها تُؤكَلُ في لقمةٍ واحدةٍ.
لكنَّ 'الستاك' الذي أقصدُه ليس مطبخًا، إِنَّما هو طبقاتُ الذَّكاءِ الاصطناعيِّ: الشَّرائح، مراكز البيانات، النماذج اللُّغويَّة، الخوارزميَّات، المنصَّات، والتَّطبيقات. كلُّ طبقةٍ تُعيدُ تعريفَ السُّلطة بغير اسمها. وهنا انتقلتُ من مزاح الفطائرِ إلى سؤالٍ أثقلَ: إذا كان هذا هو حال ستاك الذَّكاءِ الاصطناعيِّ عالميًّا، فماذا عن الستاكِ العربيِّ والإسلاميِّ؟ نموذجِنا اللُّغويِّ؟ ثقافتِنَا؟ فقهِنَا؟ مَن يحملُ القيادةَ الأخلاقيَّةَ والتَّنظيميَّةَ والتقنيَّةَ؟ مَن يُمسكُ لجامَ السُّرعة قبل أنْ تدهسنَا السُّرعةُ باسم التقدُّم؟ وربَّما كانت الإشارةُ القرآنيَّةُ إعجازًا أدقَّ من الوصفِ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾.
من هنا جاء الجوابُ عندي، لا كشعارٍ وطنيٍّ، بل كوظيفةٍ حضاريَّة: المملكة العربيَّة السعوديَّة -والحمد لله- بلادُ «عقيدة إدارة المراحل»، ليست مطالَبةً بأنْ ترفع الرَّاية وحدها، بل بأنْ تحملَ في ميزان الأُمم رايةً ونموذجًا. كيف تُدار المرحلة حين تتسارع الأدواتُ، وتتباطأ القِيمُ؟ كيف نُثبِّت عمودًا فقريًّا لحوكمةِ التقنيةِ لا يجعلنَا تابعِينَ، ولا يحبسنَا في خوفٍ من المستقبلِ؟
ثمَّ دخلتُ إلى الفقرة الأكثر قسوةً، بعد أنْ ألقيتُ الخطابَ الافتتاحيَّ في روما لدى المعهد الدوليِّ لتوحيدِ القانون الخاصِّ (يونيدروا - UNIDROIT): كيف تنزلقُ الحضاراتُ؟ ليس بالضرورة بانهيارٍ صاخبٍ، بل بانحرافٍ يُقنِّنُ نفسَه حتَّى يصبحَ هو الطبيعيُّ. كنتُ أتأمَّلُ ظلال الفاتيكان في شتاءٍ رماديٍّ، وتذكَّرتُ مقولةً قديمةً: الإمبراطوريَّات لا تنهارُ عند الأبواب، بل حين يتسرَّب الخللُ إلى أساسات الضَّمير. وقد صرخ هذا المعنى في العالم مؤخَّرًا عبر ملفَّات Epstein: علامةً على لحظةِ انفصالٍ بين اللُّغةِ والأخلاقِ، بين المؤسَّساتِ ومعنى الحمايةِ، حين تُدار الاستباحةُ كأنَّها 'بنيةٌ' محترمةٌ.
ومن هذا الانزلاق، وصلنا إلى ميونخ: مؤتمر الأمن كأنَّه ميزانُ حرارةٍ للكوكب، يقيسُ ليس فقط مستوى الخطر، بل مستوى الوضوح. هناك جاء خطابُ وزير خارجيَّة أمريكا، الذي وصف الولايات المتَّحدة بأنَّها «طفلُ أوروبا»؛ بما يوحي باعتذارٍ متأخِّرٍ عن انزلاقٍ صارَ يُقرَأ في 'الملفَّات' كعلامةٍ حضاريَّةٍ، لا كفضيحةِ أفرادٍ. وفي الجهة الأُخرى، ردَّت أوروبا بأنَّ السِّيادة الرقميَّة (digital sovereignty) خطٌّ أحمرُ، وأنَّ من لا يملك مفاتيح طبقاتهِ التقنيَّةِ لا يملكُ قرارَه فعلًا. كأنَّ العالم يقولُ لك بصراحةٍ: التحالفاتُ تُراجع نفسَها، والاقتصادُ يُعَاد تعريفُه، والسِّيادةُ صارت تُكتَب في الستاك، لا فقط في المعاهداتِ والخرائطِ.
ومع كلِّ هذا التحوُّل الكبير، لا أريدُ لرمضانَ أنْ يُقرَأ كفزعٍ من العالم. في أوقاتٍ كهذهِ نتعلَّم ما لا نتحكَّم به، فنملك -على الأقل- أنْ نتحكَّم بأنفسنَا. ومن حِكَم الصَّوم التي تُتداول: «صُومُوا تَصِحُّوا»؛ حين يشتدُّ الضجيجُ من حولك، تستطيع أنْ تُعيد ترتيبكَ الداخليَّ بفعلٍ بسيطٍ: صومٌ، وتأمُّلٌ، وتقليلٌ للانفعالِ، والعودة إلى المعنَى.
لذلك، إنْ كنتُ سأقترحُ إضافةً واحدةً لمعنى الصِّيام هذا العام، فهي: صيامٌ رقميٌّ. ليس رفضًا للتقنيةِ، بل تهذيبًا لعلاقتنا بها. ساعاتٌ يوميَّة بلا منصَّات، بلا تدفُّقٍ إجباريٍّ، بلا ستاك يسرقُ انتباهك، ثمَّ يبيعك لنفسك. صيامٌ يُعيد لك سيادتك على قلبك وعقلك، قبل أنْ نتحدَّث عن السِّيادة على الشَّبكات. من تعوَّد أنْ يمسك لجام نفسه، لن يعجزَ عن الدِّفاع عن لجام مجتمعهِ.
كلُّ عامٍ وأنتُم بخيرٍ، ورمضانُ مباركٌ، والله يعيدُه علينا وعلى الأُمَّة بأيَّامٍ ومراحلَ أحسن.
الضبطُ يبدأ في الطريف، وفي العالم يُختَبَر.
هامش توضيحيٌّ تعليميٌّ: الستاك (AI Stack) = طبقات منظومة الذَّكاء الاصطناعيِّ: الشَّرائح، مراكز البيانات، النَّماذج، الخوارزميَّات، المنصَّات، التَّطبيقات. التَّحكم بالطبقات السُّفلى يمنحُ نفوذًا فعليًّا على القرار والمعرفة. التَّنافس اليوم بين الستاك الأمريكيِّ المُهيمن في هذا المجال، والستاك الصينيِّ الصَّاعد.