كتاب

بين الشهادة والمهنة من يصنع إعلاميا حقيقيا؟

بعد سنواتٍ من المتابعة، ومن تجربةٍ ميدانيَّةٍ مباشرةٍ في تدريبِ خرِّيجي الإعلام، تتشكَّل صورة تحتاجُ إلى قدرٍ من الصراحة، فالمشهدُ تغيَّر، والأدواتُ تبدَّلت، والوصولُ إلى المنصَّات أصبح متاحًا للجميع، لكنَّ السؤال الذي يفرضُ نفسه: هلْ تطوَّر الإنسانُ بذات الوتيرة التي تطوَّرت بها الوسيلةُ؟
الإعلامُ اليوم، لم يعد حكرًا على قاعات التحرير، أو استوديوهات البث، الهاتف وحده قادرٌ على نشر محتوى يصل إلى آلاف، وربما ملايين، وهذا الاتِّساع منح الفرصة، لكنَّه في الوقت ذاته كشف الفجوة، الفجوة ليست في الإمكانات، بل في المخرجات.

في قاعات التَّدريب تتكرَّر الملحوظات ذاتها، غالبيَّة تبحث عن إتمام متطلَّب، أو اجتياز مرحلة، أو الحصول على توقيع، الحضور موجود، والاهتمام شكلي، أمَّا الإعلام والصحافة فغائبان! وهذا لا ينفي وجود نماذج مميَّزة، لكنَّها تظلُّ محدودةً لا تمثِّل الصورة العامَّة التي يفترض أنْ تخرجها مؤسَّسات تعليميَّة عريقة.
القضيَّة هنا لا تقفُ عند الطَّالب وحده، فهي سلسلةٌ تبدأ من القبول، وتمتدُّ إلى القاعات الدراسيَّة، وتنتهي عند منصَّات التَّدريب، أين تُكتشف الموهبة؟ وأين يتم توجيهها؟ وهل يكفي أنْ نُدرِّس أساسيات التَّحرير، وأخلاقيَّات المهنة، ونترك الباقي للصدفةِ؟

الإعلامُ ليس نصًّا يُكتب، ولا تقريرًا يُنجَز، الإعلامُ حسٌّ قبل أنْ يكون مهارةً، ووعيٌ قبل أنْ يكون أداةً، من لا يملك هذا الحس، لن تصنعه الشهادة.. ومَن لا يحمل هذا الوعي، لن تضيف له التقنية شيئًا.
الجهات التي تستقبل المتدرِّبين تواجه تحدِّيًا متكرِّرًا تصلها أسماء لا تشبه المهنة، واهتمامات بعيدة عن المجال، وطموحات لا تتجاوز حدَّ الحصول على ورقة تثبت الانتماء للتخصُّص، وهنا تتحول فترة التدريب إلى عبءٍ، بدلًا من أنْ تكون مساحةً لاكتشاف وصناعة إعلاميِّين.
الحديث لا يستهدف التقليل، ولا يهدف إلى التعميم، لكنَّه قراءة واقعيَّة لمشهد يتكرَّر ويستحق أنْ يُطرح إذا كنَّا نطمحُ إلى إعلامٍ يواكب المرحلة، ويقدَّم نموذجًا مهنيًّا مشرِّفًا، فلا بُدَّ أنْ تبدأ المعالجة من الجذور، من اختيار التخصص، من تحفيز الطالب، من دور الأستاذ في اكتشاف الفروق، ومن ربط التعليم بالممارسة بشكل حقيقيٍّ، لا شكليٍّ.
المسألة أكبر من شهادة، وأعمق من تدريب، هي مسؤوليَّة منظومة كاملة، تبدأ من القناعة، وتنتهي بالمخرجات.
* نقطة تحت السطر:
الإعلاميُّ لَا يتخرَّجُ.. الإعلاميُّ يتكوَّنُ.

أخبار ذات صلة

الاختناقات المرورية في جدة.. «الرياض» أنموذجًا
لا سينما عظيمة بلا خيال
تطوير أم نثيلة.. حين يحمي المشروع المكان
أمواج البحر.. طاقة تتحرك أمام أعيننا
;
الدورة الهرمونية للمرأة.. بيولوجية بحتة
الحوثي يختبر حدود الصبر السعودي
النهاية المفاجئة
للكلمة مجلس.. وللحوار أفق
;
ما بعد كوفيد
حتى في المحلات.. ذابت التخصصات!
فإن هم ذهبت أخلاقهم.. ذهبوا
الجامعة التي تُموّل مستقبلها.. قوة للموارد الذاتية
;
الشخصية السامة
النصافي.. والذكاء الاصطناعي
من الإنسيكلوبيديا إلى HUMAIN.. كيف تغيرت حكاية المعرفة
المربي موسى السليم.. حكاية عطاء في ذاكرة التعليم