منتدى

اللغة العربية في وسائل التواصل الاجتماعي.. تشويه وإزعاج!

اللغة العربية في وسائل التواصل الاجتماعي.. تشويه وإزعاج!
حقيقةً، لقد طفحَ الكيلُ لدى الكثير منَّا، وربما بلغ السيلُ الزُّبَى أحيانًا، ونحنُ نستمعُ إلى بعض المقاطع المصوَّرة والمتداولة عبر تطبيقات الهواتف الذكيَّة، مثل «تيك توك»، و«يوتيوب»، و«إنستغرام» وغيرها. فقد أصبحت هذه المقاطع مصدرَ إزعاجٍ حقيقيٍّ لكلِّ من يمتلك ذائقة لغويَّة سليمة، أو معرفة بأساسيَّات اللُّغة العربيَّة.
وقد ذكرتْ لنا إحدَى الزَّميلات، وهي معلِّمةُ لُغة عربيَّة، أنَّها باتت تتأذَّى كثيرًا من الاستماع إلى هذا النَّوع من المحتوى؛ بسبب الكمِّ الهائلِ من الأخطاء اللُّغويَّة، والتَّشويه الواضح في النُّطق، ومخارج الحروف.

فعلى سبيل المثال، حين يتحدَّث أحدُهم عن إنجازات الصِّين المُبهرة في مجالات الجُسور والمطارات والقطارات والاختراعات الحديثة، يقول: «مؤخَّرًا الصِّين بِنْت طريقًا سريعًا تحت الماء»، فينطقُ كلمة «بِنْت» بكسر الباء، بينما الصًّحيح «بَنَتْ» بفتح الباء، أي قامت بالبناء والتَّشييد. وهنا ينقلبُ المعنى تمامًا، ويصبحُ الكلامُ مثيرًا للسُّخرية، بدلًا من أنْ يكون معلومةً مفيدةً.
ولا يقتصرُ الأمرُ على غياب التَّشكيل، بل يتَّعداه إلى جهلٍ واضحٍ بقواعد اللُّغة وأدبِها، فضلًا عن غياب المراجعة اللُّغويَّة، أو مراعاة الذَّوق العام للمستمع. وكأنَّ بعض مقدِّمي المحتوى لا يدركُون حجم التَّشويه الذي يلحقُونَه باللُّغة العربيَّة.

ومن الأمثلة الأخرى، ما نسمعه أحيانًا عند الحديث عن تصميم المنازل، وديكورات «الحمَّامات»، إذ ينطقُها البعضُ بطريقةٍ تُوحي بأنَّها جمع «حمامة» الطَّائر، لا المكان المُخصَّص للاستحمام، أو قضاء الحاجة! وغيرها كثيرٌ من الكلمات المشوَّهة والممسوخة لُغويًّا، حتى أصبح المستمعُ يتساءلُ أحيانًا: هل المتحدِّث إنسانٌ حقيقيٌّ، أم روبوتٌ مبرمجٌ لا يفقهُ رُوح اللُّغة ولا جماليَّاتها؟
إنَّ اللُّغة العربيَّة اليوم، تُعدُّ من أكثر اللُّغات الحيَّة انتشارًا في العالم، وليس لأنَّها لُغة العرب وحدهم، بل لأنَّها لُغة القرآن الكريم، وقد تجاوز تأثيرها حدود العالم العربيِّ، إلى مختلف بقاع الأرض. فملايين المسلمِين غير العرب يحرصُونَ على تعلُّمها وقراءتها وفهمها، ولو في حدودها الدينيَّة والثقافيَّة.
لكنَّ المؤسف أنَّ كثيرًا من أبناء الأُمَّة العربيَّة أنفسهم بدأوا يهجرُونَ لُغتهم الأُم، لأسباب متعدِّدة، من أبرزها ضعف الاهتمام بتعليمها للأبناء، خصوصًا في دول الاغتراب والمهجر. وفي الوقت ذاته، تتعرَّض اللُّغة للتَّشويه والاستهزاء عبر لهجاتٍ هجينةٍ وتعبيراتٍ سطحيَّةٍ يتداولها بعضُ الشباب على سبيل التَّرفيه، دون إدراكٍ لما تسبِّبه من إساءة للُّغة وهويَّة المجتمع.
وقد آلمنِي كثيرًا ما أراهُ اليوم، خاصَّةً في أستراليا، حيث تجد شابًّا عربيَّ الأصل، يحملُ اسمًا عربيًّا، ووالداه مسلمان، لكنَّه لا يجيدُ من العربيَّة سوى كلمات محدودة، وربما تقتصرُ على بعض العبارات الدَّارجة أو الألفاظ غير اللائقة.
إنَّ تعلُّم اللُّغة الأُم يبدأ من المنزل أولًا، فمن الطبيعيِّ أنْ يتلقَّى الطفلُ من أُمِّه الحليب واللُّغة معًا، قبل أنْ ينتقل إلى الحضانة، والمدرسة لتعلُّم اللُّغة المحليَّة الثَّانية. وهنا تقع المسؤوليَّة الكُبرى على الأُسرة، ولا سيَّما الوالدَين، في ترسيخ حبِّ اللُّغة العربيَّة في نفوس الأبناء، والمحافظة عليها باعتبارها جزءًا من الهويَّة والانتماء.
ومن أكثر المشاهد إيلامًا اليوم، أنْ ترى رجالًا ونساءً تجاوزُوا الخمسين من أعمارهم، يبدُون ندمهم الشديد؛ لأنَّهم لم يتعلَّمُوا العربيَّة جيِّدًا في صغرهم، ويتمنُّونَ لو عاد بهم الزَّمنُ ليبدأوا من جديد. فكما قال الأقدمُون: «العِلمُ فِي الصِّغرِ كَالنَّقشِ عَلَى الحَجَرٍ».

أخبار ذات صلة

السعودية وميزان الاستقرار
السعودية وميزان الاستقرار
حج 1447هـ.. ريادة أبهرت العالم وأبطلت زيف الادعاءات
حج 1447هـ.. ريادة أبهرت العالم وأبطلت زيف الادعاءات
المتطوعون في الحج.. جنود العطاء في خدمة الحجيج
المتطوعون في الحج.. جنود العطاء في خدمة الحجيج
الحج.. من الفكرة إلى الذكرى
الحج.. من الفكرة إلى الذكرى
;
أثر يبقى ومحبة تُنال
وعود من ورق!!
وعود من ورق!!
الوفاء للزملاء الذين رحلوا وبقي أثرهم
الوفاء للزملاء الذين رحلوا وبقي أثرهم
مشروع إلَّا... ربعًا!!
مشروع إلَّا... ربعًا!!
;
الكيف لا الكم: خريطة طريق لتدريب تعليمي نافذ الأثر
الكيف لا الكم: خريطة طريق لتدريب تعليمي نافذ الأثر
اليوم العالمي للبيئة يرسم ثقافة الوعي المجتمعي
اليوم العالمي للبيئة يرسم ثقافة الوعي المجتمعي
نزاعات الملكية المشتركة والحاجة إلى آلية متخصصة لتسويتها
نزاعات الملكية المشتركة والحاجة إلى آلية متخصصة لتسويتها
عبدالعزيز سرحان.. نموذج الإنسان الصالح
عبدالعزيز سرحان.. نموذج الإنسان الصالح
;
هل تصبح طرق الحج ممرات خضراء؟
هل تصبح طرق الحج ممرات خضراء؟
حجٌ آمن.. في وطن الأمان
حجٌ آمن.. في وطن الأمان
ناسك في حرم الحرف!
ناسك في حرم الحرف!
كن لنفسك... لا للآخرين
كن لنفسك... لا للآخرين