منتدى

من قرأ التاريخ... لا ييأس أبدًا

من قرأ التاريخ... لا ييأس أبدًا
يقول الدكتور مصطفى محمود - رحمه الله تعالى -: “من قرأ التاريخ لا ييأس أبدًا.” قد تكون هذه العبارة من أصدق وأجمل ما قيل عن قراءة التاريخ، التي لا تقتصر على الإفادة من تجارب الماضي، بل تتجاوزه إلى معرفة الأنماط السلوكية المتكررة في حياة الأفراد والأمم؛ إذ إنَّ التاريخ في جوهره لا يروي انتصارات الأقوياء فقط، بل يكشف لنا أيضًا كيف نهض الضعفاء، وكيف تحولت الانكسارات إلى انتصارات، وكيف يولد الأمل في أحلك اللحظات.
إن الإنسان الذي لا يقرأ التاريخ لا يرى حقيقةً أبعد من لحظته الراهنة التي يعيشها؛ مما يجعله يظن أنها نهاية المشهد! بخلاف قارئ التاريخ الذي يعلم أن الأزمات، مهما كان نوعها أو شكلها، زائلةٌ لا محالة، وأن الشعوب غالبًا ما تنهض بعد النوائب والمُلمّات، والأهم من هذا وذاك أن المتأمل في أحداث التاريخ يدرك أن سنَّ الإنسان وظروفه ليست عائقًا أمام الإنجاز.

ولهذا فإن أكثر ما يبعث الأمل في نفس قارئ التاريخ أن صفحاته تزخر برجال صنعوا أحداثًا غيَّرت مسار العالم، وهم في أعمار يظن كثيرٌ من الناس اليوم أنها ليست إلا مرحلةً للتجربة والبحث عن الذات.
ولعل ما يؤكد هذه الحقيقة هو استعراض بعض النماذج التي حفظها التاريخ، كشخصيةِ عبدالرحمن الداخل -رحمه الله تعالى-، الذي تُعدّ حكايته من أعظم قصص الكفاح، حتى لُقِّب بـ”صقر قريش”، وهو اللقب الذي يُروى أن الخليفة أبو جعفر المنصور أطلقه عليه إعجابًا بقدرته على إعادة بناء دولة بعد سقوطها.

فبعد نجاح الثورة العباسية سنة 132هـ/750م، والقضاء على الدولة الأموية، بدأ العباسيون بملاحقة أفراد البيت الأموي للقضاء على أي منافسٍ مُحتمل. وقد كان عبدالرحمن بن معاوية يومئذ شابًا في مقتبل العمر، ففرَّ من دمشق إلى فلسطين، ثم إلى مصر، قبل أن يواصل رحلته عبر شمال أفريقيا، متنقلًا بين قبائل المغرب، مستفيدًا من صلته بأخواله من قبيلة نفزة البربرية. وقد عاش سنوات من المطاردة والخطر، ونجا من محاولات اغتيال عدة، حتى استطاع أن يبني شبكةً من الأنصار داخل الأندلس.
وفي سنة 138هـ/756م عبر إلى الأندلس، ولم يكن يملك جيشًا جرارًا ولا خزائن دولة، وإنما امتلك شرعية الانتماء الأموي، والحنكة السياسية، والقدرةَ الاستثنائية على كسب الولاءات. وبعد انتصاره في معركة المصارة دخل قرطبة، وأسس إمارةً أصبحت لاحقًا نواة حضارة إسلامية ازدهرت قرابة ثلاثة قرون، وكانت من أعظم منارات العلم والثقافة في أوروبا.
ولم يكن صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله تعالى- أكبر سنًا عندما بدأ مشروعه؛ فقد تولى مسؤوليات عسكرية وسياسية كبيرة وهو في مقتبل العمر. ومن اللافت تاريخيًا أن استعادة القدس لم تكن نتيجة معركة واحدة، بل جاءت بعد ما يقارب عقدين من الإعداد السياسي والعسكري، بدأهما بتوحيد مصر والشام، وإنهاء الانقسامات بين الإمارات الإسلامية، ثم إعداد جيش قوي، حتى حقق النصر في حطين، واستعاد القدس بعد أن بقيت زهاء تسعين عامًا تحت الاحتلال الصليبي. وهكذا يعلمنا التاريخ أن الإنجازات الكبرى لا تولد في يوم واحد، وإنما تُبنى بالصبر، وحسن الإعداد، وطول النفس.
كما تولى محمد الفاتح -رحمه الله تعالى- الحكم شابًا، ولم يتجاوز الحادية والعشرين عندما فتح القسطنطينية، المدينة التي استعصت على جيوش وإمبراطوريات متعاقبة طوال قرون. وقد كان هذا الفتح من أبرز الأحداث المفصلية في التاريخ؛ إذ أنهى الإمبراطورية البيزنطية التي استمرت أكثر من ألف عام، وجعل من القسطنطينية عاصمة للدولة العثمانية، التي عُرفت لاحقًا بإسطنبول. كما مثّل نقطة تحول كبرى في موازين القوى بين الشرق والغرب، وأصبح حدًّا فاصلًا بين العصور الوسطى والعصر الحديث، كما يذكر المؤرخون. ولم يكن ذلك ثمرة حماس الشباب وحده، بل حصيلة إعداد علمي وعسكري متواصل، ورؤية بعيدة المدى.
وإذا انتقلنا إلى التاريخ الحديث، وجدنا أن سنَّ الشباب ظل قادرًا على حمل المشاريع الكبرى وبناء الدول، وإن اختلفت الأزمنة وتبدلت الوسائل. ويبرز هنا نموذج الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله تعالى-، الذي استعاد الرياض سنة 1319هـ/1902م وهو في السادسة والعشرين من عمره تقريبًا، ثم انطلق في مشروع طويل من الكفاح السياسي والعسكري امتد نحو ثلاثة عقود، حتى نجح في توحيد معظم أقاليم الجزيرة العربية، وأعلن قيام المملكة العربية السعودية سنة 1351هـ/1932م. ولم يكن ما حققه نتيجة انتصار عابر، بل خلاصة إستراتيجة ثاقبة، وصبر طويل، وقدرة على بناء التحالفات وإدارة التحولات، حتى غدا واحدًا من أبرز بُناة الدول في التاريخ العربي الحديث، إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق.
إن هذه النماذج ليست إلا غيضًا من فيض؛ فالتاريخ الإنساني زاخر بالأمثلة التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى، ولكننا آثرنا اختيار هذه النماذج من تاريخنا الإسلامي والعربي؛ لقربها من وجدان القارئ، ولما تحمله من دروس حضارية وإنسانية خالدة؛ فالتاريخ لا يخلّد الأسماء لذاتها بقدر ما يخلّد ما تتركه من أثرٍ ودروس.
ولم يكن الإنجاز حكرًا على ميادين السياسة والحرب، بل شمل ميدان الفكر والعلم. فقد ألّف الإمام محمد بن إسماعيل البخاري -رحمه الله تعالى- كتابه العظيم “الجامع الصحيح”، المعروف بـ“صحيح البخاري”، بعد رحلة علمية استغرقت نحو ستة عشر عامًا من الجمع والتمحيص والمراجعة.
وكما بدأ الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- التدريس والإفتاء وهو في نحو الخامسة عشرة من عمره، بعد أن شهد له علماء عصره بالأهلية، ليصبح لاحقًا أحد أعظم أئمة الفقه في تاريخ الإسلام. وكتب عبدالرحمن بن خلدون - رحمه الله تعالى - “المقدمة” أثناء اعتزاله في قلعة بني سلامة، الواقعة في غرب الجزائر الحالية، بعيدًا عن صخب السلطة وصراعاتها، التي أنهكته سنوات من العمل في بلاطات الملوك والسجن؛ إذ وجد فسحةً للتأمل، فوضع أسس علم العمران البشري، وأرسى منهجًا جديدًا في قراءة التاريخ ونقد الروايات، غيّر من خلاله نظرة المؤرخين إلى التاريخ، وأثبت -وهنا الشاهد- أن الأزمات قد تكون منبعًا للفكر لا سببًا للانكسار.
إن قراءة هذه النماذج لا تعني أن كل شاب سيصبح قائدًا، أو أن التاريخ سيعيد نفسه؛ فلكل عصر ظروفه وتحدياته، لكنها تذكّرنا بحقيقة يغفل عنها الكثير من الناس، وهي أن العمر ليس المعيار الوحيد للإنجاز، وأن قسوة الظروف ليست دائمًا نهاية الحكاية، بل قد تكون بدايتها.
ولهذا فإن من يقرأ التاريخ لا يتعلم أن النصر مضمون، ولا أن الطريق مفروش بالنجاح، لكنه يدرك أن الهزيمة ليست قدرًا أبديًا، وأن أعظم التحولات في حياة الأمم والأفراد كثيرًا ما بدأت من قلب الأزمات، حين ظن أصحابها أنها نهاية الطريق.
ولذلك كلما قرأتُ عبارة الدكتور مصطفى محمود: “من قرأ التاريخ لا ييأس أبدًا” وجدتُها أقربَ إلى قانونٍ من قوانين الحياة؛ لأن التاريخ لا يخبرنا بما كان فقط، بل يعلّمنا ما يمكن أن يكون، ويهمس إلينا، جيلًا بعد جيل، بأن ما يبدو اليوم مستحيلًا قد يصبح غدًا فصلًا جديدًا في قصةٍ لم تكتمل بعد.

أخبار ذات صلة

الإنسان.. مع كأس العالم
الإنسان.. مع كأس العالم
آفاق جديدة للمستثمرين الأجانب في القطاع العقاري
آفاق جديدة للمستثمرين الأجانب في القطاع العقاري
قمة الرضا
قمة الرضا
هل نُصلح التربة أم نُحاسب الشجرة؟!
هل نُصلح التربة أم نُحاسب الشجرة؟!
;
عيشوا في سلام
تقاعد الأستاذ الجامعي
تقاعد الأستاذ الجامعي
مبارك أيها الناجحون
مبارك أيها الناجحون
حين تقف الأقدار.. ويبدأ الدعاء
;
المدينة المنورة تحتفي بإنجازات نسائها
المدينة المنورة تحتفي بإنجازات نسائها
مواقع التواصل الاجتماعي.. سيف ذو حدين
مواقع التواصل الاجتماعي.. سيف ذو حدين
حين تبكي الأوطان
حين تبكي الأوطان
كيف غيَّر العدوان الإسرائيلي ديمغرافية غزة؟
كيف غيَّر العدوان الإسرائيلي ديمغرافية غزة؟
;
حين يصبح الأمن لغةً يفهمها العالم
حين يصبح الأمن لغةً يفهمها العالم
أحلام الجماهير تتحطم على صخرة الإقصاء المبكر
أحلام الجماهير تتحطم على صخرة الإقصاء المبكر
حين يتحول النقد إلى كتابة بديلة
حين يتحول النقد إلى كتابة بديلة
المدينة في تطور مستمر
المدينة في تطور مستمر