قبل أيامٍ، جاءني شابٌّ ذكيٌّ اسمه عمَّار، وقال: «يا عم، لماذا يسألُ النَّاس أسئلةً تُشعرني بالحَرَجِ؟ وكيف أتصرَّفُ إذا واجهتُ مثل هذه المواقفِ؟».
ابتسمتُ وقلتُ: يا عمَّار، ليس كلُّ سؤالٍ يستحقُّ جوابًا، وليس كلُّ فضولٍ يستحقُّ أنْ نمنحه مفتاح خصوصيَّاتنا. فالنَّاسُ يختلفُون؛ فمنهم مَن يسأل بدافع المحبَّة، ومنهم مَن يسأل بحُكمِ العادةِ، ومنهم مَن لا يميِّز بين الاهتمامِ والتَّدخُّلِ.
والأسئلةُ نوعان: أسئلة تفتح باب المعرفة، مثل: مَن اخترع المصباح؟ ولماذا ينصحُ الأطبَّاءُ بالمشي صباحًا؟ وهذه تستحقُّ البحث عن إجابتها. وأُخْرى تفتحُ باب الخصوصيَّة، مثل: كم راتبكَ؟ ولماذا لم تتزوَّج؟ أو لماذا لم تُرزَق بأطفالٍ؟ وهي أسئلةٌ لا تضيفُ علمًا، ولا تغيِّرُ واقعًا.
ولأنَّها تتكرَّر، فإليك عشر وسائل للتَّعامل معها بأدبٍ وذكاءٍ:
أوَّلًا: أجِّل الإجابة بقولِك: «دعنَا نؤجِّل هذا الحديث إلى وقتٍ آخرَ»، فكثيرٌ من الأسئلة يفقد صاحبه حماسه إذا لم يجد جوابًا فورِّيًا.
ثانيًا: غيِّر مسار الحديث إلى موضوعٍ آخرَ دون صِدامٍ.
ثالثًا: استخدم إجابة عامَّة، مثل: «الحمدُ لله، الأمورُ بخيرٍ»، أو «كلُّ شيءٍ على ما يُرامُ».
رابعًا: استفسر بلطفٍ عن سبب السُّؤال، كأنْ تقول: «هل هناك سببٌ لهذا السُّؤال؟»؛ ليدرك السَّائل أنَّه ربَّما تجاوز الحدود.
خامسًا: استعن بخفَّةِ الظِّلِّ، فالابتسامةُ أو الدعابةُ اللَّطيفةُ قد تُنهي الموقف دون إحراجٍ.
سادسًا: أعطِ وعدًا مؤجَّلًا، مثل: «أخبرُك لاحقًا»، وغالبًا لن يعودَ السُّؤال.
سابعًا: أجب بسؤالٍ إذا كان المقام مناسبًا، فهي طريقة تعيدُ توجيه الحوار؛ بشرط أنْ تُستخدم بأدبٍ وحكمةٍ.
ثامنًا: اجعل للمعلومةِ قيمةً، وأوصل بلطفٍ أنَّ بعض المعلومات شخصيَّة وليست متاحةً لكلِّ عابر سؤال.
تاسعًا: إذا اضطررت للإجابة، فأغرقها بالتَّفاصيل غير المهمَّة؛ ليكتشف السَّائلُ أنَّ الفضولَ مكلِّفٌ بالوقت.
عاشرًا: استخدم الحزم المهذَّب، وقلْ: «أفضِّل الاحتفاظ بهذا الأمر لنفسي». عبارةٌ قصيرةٌ تحفظ الاحترامَ والخصوصيَّةَ.
ويبقى استثناءٌ جميلٌ؛ فأسئلة الوالدين، وكبار السِّن الذين يسألُون بدافعِ المحبَّة والاطمئنان تختلفُ عن غيرها. فهم لا يبحثُون عن معلومة، بل عن قلب يطمئنهم، وكلمة تسعدهم، ولذلك يستحقُّون سعة الصَّدر، ولطف الجواب.
حسنًا.. ماذا بَقِيَ؟
بَقِيَ القولُ: إنَّ الذكاء الاجتماعي لا يعني أنْ نجيب عن كلِّ سؤال، ولا أنْ نغضب من كلِّ متطفِّل، وإنَّما أنْ نعرف متى نتحدَّث؟ ومتى نبتسمُ؟ ومتى نصمتُ؟ فبعض الأجوبة تحفظُ كرامتنا، وبعضُ الصَّمت أبلغُ من ألفِ جوابٍ.


