Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
صالح عبدالله المسلّم

تحالف مكة.. عندما تتكلم المملكة بلغة الدولة الكبرى

A A
يأتي تحالف مكَّة باعتباره أكثر من إطارٍ للتنسيق، وأبعد من كونه اجتماعًا سياسيًّا، أو إعلانًا دبلوماسيًّا، إنه رسالة إستراتيجيَّة مُكتملة الأركان، اختارت المملكة العربيَّة السعوديَّة أنْ تُعلنها من المكان الذي يحمل أعظم رمزيَّة في وجدان المسلمين؛ لتؤكِّد أنَّ الدولة التي تحتضن قبلة أكثر من مليار ونصف المليار مُسلم، ليست مُجرَّد دولة محوريَّة في الإقليم، بل ركيزة من ركائز الاستقرار الدوليِّ.
ومن هنا، فإنَّ «تحالف مكَّة» ليس مُجرًّد حدث سياسيٍّ يُضاف إلى سجل الدبلوماسيَّة السعوديَّة، بل محطَّة تؤكِّد أنَّ «المملكة « باتت تمارس دورها من موقع المبادرة، لا الانتظار، ومن موقع صانع التََّوازنات، لا المُتأثِّر بها.
فالذين يقرأون البيانات الرسميَّة يطالعون العناوين، أمَّا الذين يقرأون السياسة، فإنًّهم يبحثُون عمَّا وراء الكلمات، وهُناك، بين السطور، تظهر الرسالة الأهم «المملكة» لا تتحرَّك بردود الأفعال، بل بمنطق «الدولة الواثقة» التي تبني منظومات الاستقرار قبل أنْ تفرضها الأزمات، وتصنع التوازنات قبل أنْ تختل موازين القوى.
ولعلَّ ما يُميِّز «السياسة السعوديَّة» في السنوات الأخيرة؛ أنَّها انتقلت من إدارة الملفَّات إلى صناعة المشهد، فلم تعد «المملكة» تتحرَّك داخل الأحداث، بل أصبحت تسهم في تشكيلها، مستندة إلى رُؤية واضحة، وإلى شبكة واسعة من العلاقات الدوليَّة، وإلى حضور متنامٍ في الاقتصاد والسياسة والدبلوماسيَّة، وهذا التحوُّل لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج نهج قياديٍّ يتعامل مع المُستقبل باعتباره مشروعًا يُبنى، لا واقعًا يُنتظر.
إنَّ النهج الذي يقوده صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، أسهم في إعادة تعريف مفهوم «القوَّة السعوديَّة»؛ فلم تعد القوَّة تُقاس فقط بالإمكانات العسكريَّة أو الاقتصاديَّة، بل أيضًا بالقدرة على جمع الشركاء، وبناء الثقة، وصياغة المبادرات، وتحويل الموقع الجغرافيِّ والمكانة التاريخيَّة إلى نفوذ سياسيٍّ مؤثِّرٍ.
إنَّ الرسالة الأعمق (لتحالف مكة) ليست في عدد المشاركين، ولا في البيانات الصادرة عنه، وإنما في «المعنى الإستراتيجي» الذي يحمله.
وليس من المُبالغة القول إنَّ المملكة نجحت في تحويل مكانتها الدينيَّة إلى رصيد يوحِّد، ومكانتها الاقتصاديَّة إلى قوَّة تبني، ومكانتها السياسيَّة إلى منصَّة للحوار وصناعة التوافقات.
إنَّ العالم اليوم، يُعيد تشكيل خرائط النفوذ، ولم يعد النفوذ حكرًا على مَن يمتلك القوة الصلبة وحدها، بل على مَن يُحسِن الجمع بين الشرعيَّة، والاقتصاد، والدبلوماسيَّة، والرُّؤية. وفي هذا السياق، تبدو المملكة العربيَّة السعوديَّة نموذجًا لدولة استطاعت أنْ توظِّف تاريخها وإمكاناتها في مشروع وطنيٍّ؛ يرسِّخ الاستقرار، ويعزِّز الشراكات، ويؤكِّد حضورها بوصفها دولةً مؤثرةً في صناعة المستقبل.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store