في مطلع القرن العشرين، كانت الجزيرة العربيَّة مساحة مترامية الأطراف، بلا دولة موحَّدة، قبائل متفرِّقة، موارد شحيحة، طرق وعرة، وحياة تعتمد على الكَفَاف. لم تكن في أكثر المناطق مؤسَّسات، ولا أمن مستقر، ولا مشروع وطني جامع. وفي هذا الفراغ السياسيِّ والاجتماعيِّ ظهر الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رجل دولة استثنائي، امتلك قوة القرار، ودهاء القيادة، وبُعد النظر الذي مكَّنه من إعادة تشكيل المنطقة بأكملها.
استطاع الملك عبدالعزيز أنْ يوحِّد النَّاس والقبائل تحت راية واحدة، وأنْ يحوِّل مجتمعًا عاش قرونًا في ظروف قاسية، إلى كيانٍ سياسيٍّ حديث. جمع بين الحزم العسكريِّ والحنكة السياسيَّة، فكان قادرًا على قراءة الواقع، واستيعاب طبيعة المجتمع، وبناء تحالفات، وإدارة الصراعات، وتثبيت الأمن في أرض لم تعرف الاستقرار طويلًا.
وقاد الملك عبدالعزيز مرحلة أخرى من التحوُّل التاريخي، مرحلة تأسيس الدولة الحديثة، وترسيخ مفهوم المواطنة، وإطلاق نهضة لم تشهدها الجزيرة العربيَّة من قبل. لقد كان مشروعه مشروعَ دولةٍ، لا مشروع عائلة او قبيلة، ومشروع مستقبل، لا مشروع لحظة.
ولم تكن أغلب مناطق المملكة قبل عهد آل سعود تنعم بالرخاء ولا بالاستقرار؛ فالموارد قليلة، والضيافة محدودة بقدر ما تسمح به الظروف، والحياة تعتمد على النجاة لا على الرفاه. ومع توحيد البلاد، ثمَّ اكتشاف النفط، تغيَّر كلُّ شيء. تحوَّلت المملكة إلى دولة مزدهرة، بنية تحتيَّة، تعليم، صحَّة، أمن، ضيافة، اقتصاد، ومكانة دوليَّة. وكل ذلك كان ثمرة رُؤية المؤسس، ومَن جاء بعده من أبنائه وأحفاده الذين حملوا مشروع الدولة إلى آفاق جديدة.
إنَّ آل سعود لهم فضل كبير في بناء هذا الوطن، ليس فقط بالمال، أو الثراء، أو البترول، بل بإقامة دولة حديثة من الصفر، دولة أصبحت اليوم قوَّة إقليميَّة ودوليَّة، وموطنًا للخير والنعمة والاستقرار.
لقد جاء الوقت لإنتاج عمل ضخم، عمل يليق بالمؤسِّس، يروي سيرته، معاركه، حكمته، دهاءه السياسي، ورحلته في توحيد البلاد. عمل يقدِّم للأجيال قصَّة رجلٍ صنعَ التاريخ، ويضعه في مكانه الطبيعي بين أعظم بناة الدول في العصر الحديث.
إنَّ تاريخ الملك عبدالعزيز ليس مجرَّد سردٍ تاريخيٍّ، بل ملحمة يجب أنْ تُجسَّد، وأنْ تتحوَّل إلى عمل فنيٍّ يليق بالمملكة، وبمؤسسها العظيم.
جهاد بن محمد حبيب
[email protected]