الجاسوسيَّة، أسلوب قديم قِدم التَّاريخ البشري، هدفه الأعلى التعرُّف على كل ما يُخفيه الطرفُ الآخر، وتكون فيه منفعة أو مضرَّة للمتجسِّس، وهو معروف ومنتشر بشكلٍ واسعٍ بين الدول العدوَّة والصَّديقة على حدٍّ سواء، للحصول على معلومات محدَّدة تُعطي الأسبقيَّة للتحرُّك المُضاد، أو المُساند، وتقلِّل المفاجآت السَّارَّة أو الضَّارَّة في مسار العلاقات بين هذه الدول.
في بعض الدُّول توجد أجهزة متخصِّصة في صناعة الجواسيس، وتدريبهم، وتأهيلهم لأعلى المستويات لتحقيق كلِّ الأهداف من عمليَّات التجسُّس والحصول على أكبر قدرٍ من المعلومات التي تحاول معظم الدول إخفاءها، أو عدم إظهارها بصورة جليَّة للعموم، وهناك أيضًا أجهزة تعمل لمكافحة التجسُّس الخارجيِّ ولا تقلُّ كفاءةً عن أجهزة صناعة الجواسيس، ويعملان في نفس الدَّولة على خُطى متناسقةٍ حتى لا تكون هناك فجوات ومسارب لا يعلمُ بها أحدٌ، وقد يجوز القول إنَّ بعض الدول مخترقة، وكلها تعملُ لتحسين مستويات عمليَّاتها التجسسيَّة، وعمليَّات مكافحة التجسُّس المُضاد، ينجحُون في الكثير منها، ولا يعلمُ البعضُ من تلك الدول عن كثيرٍ من عمليَّات الإختراق إلَّا بعد فوات الأوان.
الجاسوسُ شخصٌ عالي التَّدريب والتَّأهيل للقيام بمهامِّه المُوكلة إليه، دون أنْ يتمَّ كشفه، وغالبًا ما تكون تلك المهام منصبَّةً على جمع المعلومات الدَّقيقة والموثَّقة من مصادرها، العسكريَّة والأمنيَّة والاقتصاديَّة وما يخالطها من أنظمةٍ وقوانين وترتيبات تعيين المسؤولِين والمسؤوليَّة، والمعلومات حول المجتمعات المخترقة، بدارسة العادات والتقاليد والدِّين، وكل ما له شأنٌ بتركيبة تلك المجتمعات العرقيَّة، والدينيَّة، ونقاط التقارب، ونقاط التباعد، وأهم المؤثِّرات التي تدعمُ تحرُّك تلك المجتمعات في مختلف الاتِّجاهات والتَّوجهات.
الداسوس لا يختلفُ كثيرًا في تأهيله وتدريبه عن الجاسوس، ولكنَّه يختلف عنه في نوعيَّة المهام المُوكلة إليه، من أهمِّ فعاليَّاته القدرة على التغلغل داخل المجتمع، ومحاولة التأثير على بعض المعتقدات الدِّينيَّة، أو المجتمعيَّة السائدة، والمُتَّبعة، ومحاولة زعزعة ثقة النَّاس بها، والتحوُّل عنها لغيرها، من خلال تسليط الضوء على عيوب ونقائص تلك المعتقدات، وخلق دوائر عريضةٍ من الشَّك في صلاحيتها.
الجاسوس والداسوس ليسا بالضَّرورة أشخاصًا معتبرِين، بل قد تكون برامج تلفزيونيَّة، أو سينمائيَّة، أو وسائل التواصل الاجتماعي (المعروفة بالذباب الإلكتروني)، وقد تكون منتجات صناعيَّة غذائيَّة، أو تجميليَّة، أو ألعاب إلكترونيَّة، وحتى نكت، ودُعابات بريئة في ظاهرها، كلها في مجملها تصلُ إلى أهدافها، بينما يظلُّ المجتمعُ المستهدَف في غفلةٍ عن ذلك كلِّه، وقمَّة النجاح أنْ يستمتع هذا المجتمعُ المخترقُ بكلِّ ذلك.
ليس كلُّ التجديد، ولا التطوير، ولا أساليب التَّغيير المتَّبعة في بعض المجتمعات أنَّها واقعة تحت التأثير المُطلق لأجهزة التجسُّس من دول أجنبيَّة، ولا تبني سياسات جديدة لم تكن معروفةً في مجتمع معيَّن يعني بالضَّرورة أنَّه مجتمعٌ مخترقٌ، وإنْ كان من المستبعد جدًّا في واقعنا المعيش اليوم، أنْ تكون أيُّ دولةٍ بعيدةً عن التأثُّر بما يجري في بقيَّة دول العالم العدوَّة والصَّديقة، والتأثير عليها أيضًا، فالعالمُ أصبح أصغرَ من قريةٍ يعرفُ كلَّ مَن فيهَا، كلُّ مَا فِيهَا.