اسأل قبل أنْ تنشر..
المسؤوليَّة تبدأُ من سؤالٍ بسيطٍ: «مَا مصدرُ هذا الخبرِ؟»..
إذا كان الخبرُ يتعلَّق بقرارٍ حكوميٍّ، أو إجراءٍ رسميٍّ، أو أمنِ الوطنِ، أو الاقتصادِ، أو الصحَّةِ، أو أيِّ شأنٍ عامٍّ، فإنَّ المرجع الأوَّل يجبُ أن يكون الجهة الرسميَّة المختصَّة، وليس حسابًا مجهولًا، أو رسالةً متداولةً، أو مقطعًا لا نعرفُ متى صُوِّر؟ وأين..؟
وقد أصبح الوصولُ إلى المصادر الرسميَّة أكثر سهولةًَ من أيِّ وقت مضى، كما تؤكِّد المنصَّة الوطنيَّة أنَّ المواقع الحكوميَّة الرسميَّة في المملكة تنتهي بنطاق gov.sa، وهو ما يساعد المُستخدم على الوصول إلى مصدر المعلومة الموثوق..
ولا يعني ذلك أنْ نتوقَّف عن استخدام وسائل التَّواصل الاجتماعيِّ، فهي أصبحت جزءًا أساسًا من حياتنا، وإنَّما يعني أنْ نتعامل معها بوعيٍ ومسؤوليَّةٍ، وأنْ نفرِّق بين سرعة وصول المعلومة، وموثوقيَّتها..
في زمنٍ أصبحت فيه المعلومةُ تصلُ إلى هواتفنا قبل أنْ نعرف مصدرها، وأصبح الخبرُ ينتشرُ في ثوانٍ معدودةٍ عبر منصَّات التواصل الاجتماعيِّ، لم تعد مسؤوليَّة حماية المجتمع من الشَّائعات، مسؤوليَّة المؤسَّسات الإعلاميَّة وحدها، بل أصبحت مسؤوليَّة كلِّ فردٍ منَّا..
لقد غيَّرت وسائلُ التواصل الاجتماعيِّ طريقة تعاملنا مع الأخبار، فأصبح بإمكان أيِّ شخصٍ أنْ يصنع خبرًا، أو يُعيد نشرَ مقطعٍ قديمٍ على أنَّه حدثٌ جديدٌ، أو يقتطع تصريحًا من سياقه، ثمَّ ينتشرُ المحتوى آلاف المرَّات قبل أنْ يسألَ أحدٌ: «من أينَ جاءت هذه المعلومةُ؟ وهل هي صحيحةٌ؟»..
وهنا تكمن المشكلةُ..
فليس كلُّ ما يُتدَاول في وسائل التواصل الاجتماعيِّ خبرًا، وليس كلُّ ما يُقَال في مقطعٍ مُصوَّرٍ حقيقةً، وليس كلُّ رسالة تصلنا عبر مجموعات التواصل تستحق أنْ نعيد إرسالها، بل إنَّ بعض الأخبار المتداولة قد تكون مبنيةً على شائعةٍ، أو تكون اجتزاءً، أو تفسيرًا خاطئًا، وقد يكون الهدفُ منها إثارة القلق، أو البلبلة، أو زعزعة الثِّقة..
والأخطر من ذلك، أنَّ الإنسان قد يتحوَّل، من دون أنْ يشعر، من مجرَّد متلقٍّ للشَّائعة إلى شريكٍ في نشرها..
فالسرعةُ ليست دليلًا على الصحَّة..
وطنُنَا أمانةٌ.. والمعلومةٌ مسؤوليَّةٌ..
في المملكة العربيَّة السعوديَّة، نحنُ أمام وطنٍ يشهد تحوُّلاتٍ وإنجازاتٍ كبيرةً، ويعيش مرحلةً تنمويَّةً طموحةً، تتطلَّبُ من الجميع المحافظة على استقراره ومكتسباتِهِ..
والحفاظ على الوطن لا يكونُ -فقط- بالعمل في الميدان، أو أداء الواجب في الوظيفة، أو خدمة المجتمع، بل يكون كذلك بطريقةِ تعاملنا مع المعلومةِ..
فالمواطنُ والمقيمُ يستطيعان أنْ يكونَا جزءًا من منظومةِ الوعيِ الوطنيِّ، بمجرَّد أنْ يقرِّرا ألَّا ينشرَا خبرًا مجهولَ المصدر، وألَّا يُعيدَا إرسال رسالةٍ مشبوهةٍ، وألَّا يشاركَا في ترويجِ معلومةٍ لمجرَّد أنَّها مثيرةٌ، أو غريبةٌ..
أحيانًا يكون عدم إعادة النَّشر موقفًا وطنيًّا..
ولهذا، فإنَّ مسؤوليتنا لا تنتهي عند السُّؤال: «هل الخبرُ صحيحٌ؟»، بل يجب أنْ نسأل أيضًا: «هل نشرُه يخدمُ المجتمعَ؟»..
لا تساعد الشَّائعة على الانتشار..
إنها ثقافة نحتاج إلى ترسيخها في بيوتنا، ومدارسنا، ومجالسنا، ومقار أعمالنا..
تحقَّق أوَّلًا.. ثمَّ شارك..
كُلُّنا جنودٌ للوطن، في الوعي كمَا في الميدانِ..
الوطنُ يحتاجُ إلى أبنائِه في كل موقع، وفي هذا العصر أصبح الفضاءُ الرقميُّ أحدَ ميادين المسؤوليَّة..
نحنُ جميعًا قادرُون على أنْ نكون جنودًا للوطن في مواجهة الشَّائعة، ليس بالصَّوت المرتفع، ولا بالجدال.. وإنَّما بالوعيِ، والتثبُّتِ، والهدوءِ، والرُّجوعِ إلى المصادرِ الموثوقةِ..
فلنجعل القاعدة بسيطة: «لا أُصدِّقُ كلَّ مَا أقرأُ»..
إنَّ الوطن الذي ننعمُ بأمنه واستقراره، يستحق منَّا أنْ نكون أكثرَ وعيًا ومسؤوليَّةً..
ولنكن جميعًا متكاتفين في مواجهة الشائعة، حريصين على الحقيقة، أوفياء لوطننا، ومدركين أنَّ الدفاع عن الوطن لا يكون فقط بالسلاح في الميدان..
فلا تكنْ صدى للشائعة.. كُن صوتًا للحقيقة.