تتعدَّد تعريفاتُ النذالة، لكنَّها تلتقي غالبًا عند استغلال الآخرِين، وإلحاق الضَّرر بهم. ويتبادر إلى الذِّهن ما يقعُ بين الأفراد، كالتهرُّب من المسؤوليَّة، وعدم الوفاء بالوعود، وتحقيق المنفعة على حساب الآخرِين. وقد يُستخدم هذا الوصف مجازًا عند الحديث عن بعض سلوكيَّات الحيوانات، مع أنَّ سلوكها تحكمه غرائزُ البقاء والتَّكاثر، لا الأحكام الأخلاقيَّة البشريَّة. فعند تجمُّع بعض أنواع طيور البطريق على حافَّة الجليد، قد يؤدِّي التَّدافعُ إلى سقوط أحدِها في الماء، ثمَّ تراقب البقيَّة ما يحدثُ قبل أنْ تلحق به؛ غير أنَّ القولَ إنَّها تختارُ فردًا وتدفعه عمدًا لاختبار وجود المُفترسات ليس حقيقةً علميَّةً ثابتةً.
وفي عالم الحشرات، تتنافسُ ذكورُ بعض أنواع النَّحل الحفار، وخنافس الروث -أعزَّكم الله- على فرص التَّزاوج بوسائل متعدِّدة، منها حفر الممرَّات، أو إغلاقها أمام المنافسِين، بما قد يُلحق بهم أضرارًا كبيرةً. كما تلجأ بعضُ إناث الطيور، مثل الوقواق، إلى وضع بيضها في أعشاش طيور أُخْرى، فتتولَّى الطيورُ المضيفةُ حضانةَ الفراخ، وإطعامها من غير اختيار منها، بل من غير علمِها أحيانًا. غير أنَّ وصف هذه السلوكيَّات بالنَّذالة يظلُّ مجازًا؛ لأنَّ المسؤوليَّة الأخلاقيَّة تفترضُ وعيًا واختيارًا.
ومن هنا يصبحُ خرقُ الدُّول للعهودِ، والاعتداء في أوقات الحُروب مثالًا أشدَّ خطورةً ووضوحًا. ومن أبرز أمثلته سياسات ألمانيا النازيَّة قُبيل الحرب العالميَّة الثانية، وفي أثنائها؛ إذ تنصَّلَ هتلر من القيود التي فرضتها معاهدةُ «فرساي»، وخرقَ اتفاقَ «ميونيخ» باحتلال بقيَّة تشيكوسلوفاكيا، ونقضَ إعلان «عدم الاعتداء» مع بولندا، ثمَّ اعتدى على دول محايدة مثل الدنمارك وبلجيكا، وهاجمَ الاتحاد السوفيتي عام 1941، ناقضًا معاهدة «عدم الاعتداء الألمانيَّة السوفيتيَّة». وفي الأيام الأخيرة من الحرب، أعلن الاتحادُ السوفيتيُّ الحربَ على اليابان في 8 أغسطس 1945، وبدأ هجومه على القوات اليابانيَّة في منشوريا بعد منتصف اللَّيل، أي في 9 أغسطس بالتوقيت المحليِّ. وكانت الولايات المتحدة قد ألقت القُنبلة الذريَّة على هيروشيما في 6 أغسطس، ثمَّ على ناجازاكي في 9 أغسطس. وشارك في الهجوم السوفيتيِّ نحو مليون ونصف المليون جندي، تدعمهم آلاف الدبَّابات والطَّائرات، عبر عدَّة محاور. وكانت اليابان في وضع عسكريٍّ بالغ الصُّعوبة، لكنَّها لم تكن قد حسمت قرار الاستسلام قبل هذه التطوُّرات؛ فقد ظلَّ مجلسُ توجيه الحرب منقسمًا، ولم يُحسم القرار إلَّا بتدخُّل الإمبراطور بعد القصف الذريِّ، ودخول الاتحاد السوفيتي الحرب.
أمنيـــــة
تتعدَّد الحروبُ والنِّزاعاتُ المسلَّحةُ في عالم اليوم، من إيران، وغزَّة، والسودان، إلى أوكرانيا، وميانمار، والكونغو وغيرها. وفي مثل هذهِ الصِّراعات يشهدُ العالمُ نقضَ العهودِ، واستهدافَ الأبرياءِ، وتقديمَ المصالحِ الضيَّقةِ على المبادئ الإنسانيَّة. ولكن قمَّة النَّذالة تنعكسُ في ما تعرَّضت له المملكة من هجماتٍ نفَّذها الحوثيُّ، واستهدفت مكَّة المكرَّمة، والمدينة المنوَّرة، ومجموعة من المنشآت المدنيَّة، وقتل المواطنِين والمقيمِين والزوَّار، متجاهلةً القِيم الإنسانيَّة، وما قدَّمته المملكة، وما تزال تقدِّمه، من رعاية للمقدَّسات، وخدمات للعالمَين الإسلاميِّ والعربيِّ.
أتمنَّى أنْ يقينَا اللهُ شرَّ النَّذالةِ، بأشكالِها وألوانِها ومستوياتِها المختلفة، سواء صدرتْ من الحكوماتِ، أو الإرهابيِّين، والحيواناتِ.. واللهُ الهادي إلى سواءِ السَّبيل.
وهُو مِن وَراءِ القصدِ.