ليست هناك كلماتٌ قادرةٌ على وصف مشهدٍ إنسانيٍّ تختلطُ فيه دموعُ الفَقْد بحرقةِ الانتظارِ، ولا سيَّما حين يكونُ الضحايا أناسًا لم يحملُوا سوى أحلامٍ بسيطة، ونوايا طيِّبة، ورغبةٍ في الوصول إلى وجهتهم بسلامٍ. هكذا بدت الصُّورة المُؤلمة للمعتمرِين وهُم يرتدُون ملابسَ الإحرام؛ استعدادًا لأداء العُمرة، قبل أنْ تتحوَّل رحلتهم إلى مأساةٍ إثر الاعتداء الذي استهدَف مطارَ الملك خالد الدولي بالرِّياض، وفقًا للصُّور التي نشرتها قناة العربيَّة.
إنَّها لحظةٌ تختصرُ حجم الفاجعة؛ رجالٌ يستعدُّونَ للتوجُّه إلى بيت الله الحرام، وقلوبٌ تتطلَّع إلى العبادة والطمأنينة، فإذا بدموع الحُزن تحلُّ محلَّ مشاعر الفرح، وبالغياب المفاجئ يتركُ الموتُ أثرًا عميقًا في نفوس المسافرِين. مشهدٌ لا يُوجع أهالي المُتوفِّين وحدهم، بل يمسُّ ضمير كلِّ إنسان يدركُ قيمةَ الحياةِ، وحرمةَ الدِّماءِ.
إنَّ استهداف المدنيِّين، وترويع الآمنِين، سلوكٌ مرفوضٌ إنسانيًّا، ولا يمكنُ تبريره بأيِّ ذريعةٍ، أو خلافٍ، فالأرواحُ ليست أهدافًا مشروعةً لتصفية الحسابات، وأمنُ النَّاس ليس مجالًا للمغامرات، أو المساومات.
إنَّ الجماعة الحوثيَّة، بممارساتها العدائيَّة المنسوبة إليها، تضعُ حياة الأبرياء في دائرةِ الخطر، وتخلِّف وراء الاعتداءات أحزانًا تتجاوزُ حدود الجغرافيا والجنسيَّة. ومن هنا، فإنَّ الموقف الواجب هو إدانةُ هذه الاعتداءات، والمطالبةُ بمحاسبة المسؤولِين عنها وفقًا للقانون، واتِّخاذ ما يلزم لحمايةِ المدنيِّين، والمنشآت المدنيَّة، وضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي.
المطارُ مرفقٌ مدنيٌّ يجمعُ أناسًا من جنسيَّاتٍ وثقافاتٍ مختلفةِ، مسافرٌ يعود إلى أُسرته، وآخرُ يبدأ رحلة جديدةً، وثالثٌ يتطلَّع إلى أداء شعيرةٍ دينيَّةٍ. وفي كلِّ وجهٍ حكاية، وفي كلِّ حقيبةٍ أمل، وفي كلِّ رحلة أمنية ينتظر صاحبها أنْ تتحقَّق.
وحين تمتدُّ الاعتداءاتُ إلى هذه المرافق، فإنَّ الخطر لا يقفُ عند حدود الأضرار الماديَّة، بل يمتدُّ إلى أمن الإنسان، وحقِّه في التنقُّل بسلام. وما يزيد هذه الحادثة ألمًا أنَّ من بين المتأثِّرِين بها أشخاصًا كانُوا يستعدُّون لأداء العُمرة، يحملُون في قلوبِهم رجاءَ القبولِ والمغفرةِ، فإذا بهم يواجهُونَ فاجعةَ الموتِ والإصابةِ.
إنَّ مشهد الإحرام، وهو يقترنُ بدموع الفَقْد يحملُ دلالةً إنسانيَّةً عميقةً، فالإحرامُ يذكِّر بالتجرُّد والخُشوع، والعُمرة رحلة إيمانيَّة يقصدها المسلمُ طلبًا للأجرِ والسكينةِ. ومن المؤلم أنْ تتعرَّض أحلام هؤلاء للخطر؛ بسبب اعتداءاتٍ تهدِّد أمن الأبرياء وسلامتهم.
وتظلُّ المملكةُ بما تمثِّله من مكانةٍ دينيَّةٍ عظيمةٍ، واحتضانها للحرمَين الشَّريفَين، حريصةً على أمن المواطنِينَ، والمقيمِينَ، والزَّائرِينَ، وضيوفِ الرَّحمن. فالمملكةُ قِبلةُ المسلمِين، وإليها تتَّجهُ القلوبُ شوقًا إلى الحرمَين الشَّريفَين، ومن حقِّ كلِّ مَن تطأ قدمَاهُ أرضها، أنْ ينعمَ بالأمن والطمأنينة.
إنَّ حماية الأرواح، وصون أمن البلاد مسؤوليَّةٌ عظيمةٌ، والتصدِّي للتهديداتِ التي تستهدفُ المدنيِّينَ، والمنشآت المدنيَّةِ ضرورةٌ لحفظ الاستقرار. كما أنَّ التضامنَ مع أُسر الضَّحايا والمُصابين واجبٌ إنسانيٌّ، بعيدًا عن اختلافِ الجنسيَّات واللُّغات، فالألمُ واحدٌ حين يفقد الإنسانُ عزيزًا، والحزنُ لا تعترفُ حدوده بجوازِ سفرٍ.
إنَّ دموع أهالي المُتوفِّين، وأحزانهم ليست مجرَّد مشهدٍ عابرٍ في مقطعٍ مصوَّرٍ، ولا خبرًا تتناقله وسائلُ الإعلام، ثمَّ تطويه الأيامُ. إنَّها تذكيرٌ بأنَّ وراء كل ضحيةٍ أسرةً تنتظر، وأحبةً يتألَّمُون، وأحلامًا كان من الممكن أنْ تستمر لولا فاجعةُ الموتِ.
رَحِمَ اللهُ المُتوفِّين، وأسكنهم فسيحَ جنَّاته، وألهم ذويهم الصَّبر والسِّلوان، وشَفَى المُصابين، وحفظَ المملكةَ العربيَّة السعوديَّة -قيادةً وشعبًا-، وأدام عليها، وعلى أهلها، والمقيمِين، والزَّائرين نعمةَ الأمنِ والاستقرارِ.