لم يعد لافتًا أنْ يختلف الناسُ، اللَّافت هو الطريقة التي يُدار بها الاختلاف، والغاية التي تقف خلفه. ففي زمن أصبحت فيه المنصَّات الرقميَّة ساحةً مفتوحةً للأفكار والمواقف، باتت بعض الأصوات تتعامل مع الجدل باعتباره طريقًا مختصرًا إلى الحضور، ومع الصَّدمة باعتبارها وسيلةً مضمونةً لصناعة الترند. وهنا يظهر السؤال الأهم: متى يكون الاختلاف إضافة إلى المجتمع؟ ومتى يتحوَّل إلى مجرَّد بحث عن الأضواء؟
الاختلاف -في حدِّ ذاتهِ- ليس مشكلةً، بل قد يكون ضرورةً. فكثير من الأفكار التي أصبحت اليوم جزءًا من الوعي العام، بدأت ذات يوم بوصفها آراء غير مألوفة. والمجتمعات التي تغلقُ أبوابها أمام النقد والأسئلة تتحوَّل مع الوقت إلى مجتمعات تخشى مراجعة نفسها. لذلك، ليس من العدل أنْ نضع كل رأي مختلف في خانة التجاوز، أو أنْ نعتبر كل خروج عن المألوف إساءةً للقِيم.
لكنَّ المشكلة تبدأ عندما يفقد الاختلافُ غايته الفكريَّة، ويتحوَّل إلى وسيلةٍ مقصودةٍ لاستفزاز الجمهور. عندها لا يعود السؤال: «ماذا أريدُ أنْ أضيف؟»، وإنَّما يصبح: «كيف أضمنُ أنْ يتحدَّث الناسُ عنِّي؟». وهذا الفارق جوهري.
فمن حق الإنسان أنْ يناقش فكرةً شائعةً، وأنْ ينتقد عادةً اجتماعيَّةً، وأنْ يطرح قراءةً مغايرةً، بل وأنْ يعيد النَّظر في بعض المسلَّمات التي تحتاج إلى مراجعة. لكن هذا الحق يقابله واجبٌ في اختيار اللغة، واحترامُ الإنسان، والتمييزُ بين ما يمكن أنْ يكون محل نقاش، وما يمثِّل ثوابتَ دينيَّة أو أخلاقيَّة أو اجتماعيَّة لا يجوز التعاملُ معها بخفَّة، أو تحويلها إلى مادةٍ للمتاجرةِ بالجدل.
المشكلةُ إذن ليست في كسر المألوف، وإنَّما في كسر المألوف بلا قضيَّة. وليست في الجرأة، وإنَّما في جرأة منفصلة عن المسؤوليَّة. وليست في الوصول إلى الترند، وإنَّما في أنْ يصبح الترند هو الغاية الوحيدة التي يُقَاس بها نجاح الفكرة.
لقد غيَّرت المنصَّاتُ الرقميَّة قواعد صناعة الشُّهرة. ففي السابق كان الوصول إلى الجمهور يحتاجُ إلى مؤسسات ووسائل إعلام، أمَّا اليوم فأصبح بإمكان أيِّ شخصٍ أنْ يصل إلى جمهورٍ واسعٍ خلال ساعات. وهذه فرصة مهمَّة للتَّعبير وإيصال الأصوات المختلفة، لكنَّها في الوقت نفسه خلقت اقتصادًا جديدًا للانتباه؛ حيث أصبحت المشاهدةُ والتفاعلُ والمشاركةُ مؤشِّرات تُغري البعض بتقديم ما يثير الانفعال على ما يستحق التفكير.
وهنا تكمنُ المفارقة؛ بأن الخوارزميَّات تكافئُ أحيانًا ما يلفت الانتباه، بينما المجتمعُ يحتاج إلى ما يستحقُّ الانتباه.
وليس كلُّ انتشارٍ نجاحًا، كما أنَّ عدم الانتشار لا يعني بالضرورة ضعفَ الفكرة. فقد يكون المحتوى الأكثر صخبًا هو الأقل قيمةً، بينما تمر الأفكار العميقة بهدوء؛ لأنَّها تحتاج إلى وقت كي تُفهم وتناقش. ولذلك فإنَّ اختزال قيمة الخطاب في عدد المشاهدات يخلق وهمًا خطيرًا: أنَّ الأكثر تداولًا هو الأكثر أهميَّةً.
كما أنَّ مسؤوليَّة صناعة المحتوى لا تقع على صاحب الرسالة وحده. فالجمهور شريكٌ أيضًا. وكلَّما أسرعنا إلى منح المحتوى المستفز ملايين المشاهدات والتعليقات، ساهمنا دون قصد في ترسيخ القاعدة التي تجعل الاستفزاز أكثر ربحًا من الرصانة.
نحن، إذن، أمام مسؤوليَّة مشتركة: صانع محتوى يدركُ أنَّ الحرية لا تعني غياب المسؤوليَّة، وجمهور يدرك أنَّ التفاعل ليس مجرَّد ضغط على زر، بل إشارة إلى ما يريد أنْ يراه ويتكرَّر.
وخلاصة هذا الطرح، أوكِّد بأنَّ المجتمع لا يحتاج إلى صوتٍ واحدٍ، لكنَّه يحتاج إلى اختلاف مسؤول. يحتاج إلى مَن يفتح النوافذ من دون أنْ يهدم الجدران، وإلى مَن ينتقد من دون أنْ يهين، ويجدِّد من دون أنْ يحتقر، ويختلف من دون أنْ يجعل من القِيم مادةً للمزايدة. فالشهرةُ قد تُصنع بلحظةٍ، والترند قد يُولد من جملةٍ، لكن القيمة لا تُبنى بهذه السرعة.
الترند يطلب منك أنْ تُرى، أمَّا الأثر فيسألك: ماذا تركت وراءك؟ وهنا تحديدًا يظهر الفارق بين مَن يبحث عن لحظة في الواجهة، ومَن يبحث عن معنى يبقى بعد أنْ تنطفئ الأضواء؟!