شهدت تغطية بعض وسائل الإعلام العربيَّة والدوليَّة لهجمات الميليشيا الحوثيّة على المملكة العربيَّة السعوديَّة مظاهر من التهويل والمبالغة والانتقائيَّة في عرض الأحداث، بما يثير تساؤلات مهنيَّة حول مدى الالتزام بمعايير الموضوعيَّة والتوازن والدقَّة والتحقُّق من المعلومات. ولم يقتصر الأمر على طريقة عرض الهجمات وتداعياتها، بل امتدَّ في بعض الحالات إلى استضافة محلِّلين يتبنُّون مواقف مسبقة، أو معادية للمملكة، الأمر الذي قد يحوِّل التغطية من نقل الوقائع، وتحليلها إلى توظيف الحدث في سياقات سياسيَّة وأيديولوجيَّة.
وتتضاعف هذه الإشكاليَّة على منصَّات التواصل الاجتماعيِّ، حيث تتداخل سرعةُ النشر مع ضعف التحقُّق، وتُستثمر الإثارة والمبالغة أحيانًا في استقطاب المتابعِين وتحقيق الانتشار. كما أنَّ مكانة المملكة الدينيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة، وحضورها المؤثِّر إقليميًّا ودوليًّا، يجعلانها موضوعًا جاذبًا للتغطية، لكنَّهما قد يجعلان أحداثها أيضًا عرضةً للتسييس، أو التوظيف في حملات التَّضليل والاستقطاب.
ومن أبرز مظاهر الخلل المهنيِّ، إعادة تداول مقاطع وصور وشهادات من منصَّات التواصل الاجتماعيِّ، ثمَّ تضخيم دلالاتها أو تقديمها بوصفها حقائق مكتملة، من دون التحقق من زمانها ومكانها وسياقها. وتزداد خطورة ذلك عندما تصدر التغطية عن وسائل إعلام لا تمتلك مراسلين ميدانيِّين في المملكة أو اليمن، ولا تستند إلى شبكة متنوِّعة من المصادر، ولا تتواصل بالقدر الكافي مع الجهات السعوديَّة المعنيَّة، أو الخبراء، والمحلِّلين والإعلاميِّين السعوديِّين. فغياب المصادر المحليَّة المتعدِّدة لا يُضعف دقَّة التَّغطية فحسب، بل قد يؤدِّي إلى تقديم صورة مجتزأة عن الأحداث وتداعياتها.
ومن المهمِّ، في هذا السِّياق، أنْ تستند التغطية إلى بيانات موثَّقة بشأن الهجمات، وأعداد الصَّواريخ والطَّائرات المسيَّرة التي جرى اعتراضها، والأضرار البشريَّة والماديَّة الناتجة عنها. وتشير الإحصائيَّات إلى إطلاق أكثر من 1120 صاروخًا، و1170 طائرةً مسيَّرةً من الحوثيِّين باتِّجاه المملكة خلال عشر سنوات، وعلى الرَّغم من ذلك نجحت بكفاءة عالية في اعتراضها. وتمثِّل هذه الأرقام، شواهد مهمَّة عند تقييم حجم الهجمات، ومدى دقَّة التَّغطية الإعلاميَّة لها. كما أنَّ وقوع أضرار أو إصابات جانبيَّة خلال كل هذا الوقت لا يبرِّر تضخيمها، بل يقتضي عرضها بدقَّة، ووضعها في سياقها الصَّحيح، مع التَّمييز بين حجم الضَّرر المثبت، والتوصيفات الإعلاميَّة المصاحبة له.
وثمَّة جانب آخر لا يحظى بالاهتمام الكافي في بعض التَّغطيات، يتمثَّل في البحث عن مصادر القدرات الصاروخيَّة والطائرات المسيَّرة لدى الحوثيِّين، ومسارات الحصول عليها، والجهات التي تقدِّم الدَّعم أو التَّمويل، ومدى ارتباط ذلك بالمعطيات والتقارير الموثَّقة. فالتَّغطية المهنيَّة لا تكتفي برصد الهجوم، ونتائجه المباشرة، بل تتجاوز ذلك إلى تفسير خلفيَّاته، والتَّحقيق في مصادره، وكشف الأطراف ذات الصِّلة، وفق المنهجيَّات الإعلاميَّة المهنيَّة.
وفي تقديري، فإنَّ جوهر المشكلة يتمثَّل في الانحياز في اختيار الوقائع والمصادر، والانتقائيَّة في عرض المعلومات ولغة عرضها الإعلاميَّة، وتفاوت معايير التحقُّق بين الأطراف. وقد يكون هذا الانحيازُ ناتجًا عن توجُّهات تحريريَّة، أو حسابات سياسيَّة، أو ضعف في الإمكانات الميدانيَّة. لكن النتيجة في جميع الأحوال قد تكون واحدةً؛ وهي تقديم صورة غير مكتملة عن الحدث، وإضعاف ثقة الجمهور في التَّغطية الإعلاميَّة.
ومن هنا، فإنَّ مواجهة هذه الممارسات لا تكون بمجرَّد الاعتراض عليها، بل بتعزيز الحضور الإعلاميِّ السعوديِّ المهنيِّ، وإتاحة المعلومات الموثَّقة في الوقت المناسب، وتوسيع التواصل مع وسائل الإعلام الدوليَّة، وتقديم خبراء ومتحدِّثين قادرِين على شرح الوقائع بلغةٍ إعلاميَّة واضحةٍ. فالمصداقيَّةُ لا تُبنى بالشِّعارات، وإنَّما بالمعلومات الدقيقة، وسرعة الاستجابة، وفاعليَّة الاتِّصال، والقدرة على تصحيح المعلومات المضلَّلة بالأدلة.
إنَّ التحدِّي الحقيقي أمام الإعلام السعوديِّ لا يقتصر على الردِّ على التَّغطيات المتحيِّزة، بل يمتدُّ إلى بناء منظومةِ اتِّصال استباقيَّة قادرة على الوصول إلى الجمهور الدوليِّ بلغاته المختلفة، وتقديم الرِّواية المدعومة بالأدلَّة، وتعزيز الشفافيَّة، ومساءلة كلِّ مَن يتجاوز المعايير المهنيَّة. فالمعركة على صورة المملكة في الإعلام الدوليِّ تُحسم بقدر ما يتوافر من حقائق موثَّقة، وخطابٍ مهنيٍّ مقنعٍ، وحضورٍ إعلاميٍّ فاعلٍ.