لم يكن خبرُ رحيلِ الشاعرِ الكبيرِ محمد العلي، بالعاديِّ على محبِّيه وجمهورِهِ ومتابعيِهِ، والذين اعتبرُوا هذا الرَّحيل خسارةً كبيرةً، مشيدِين بما قدَّمه خلال مسيرته الإبداعيَّة الحافلة بالعطاء، ومؤكِّدين أنَّ المشهد الثقافيَّ السعوديَّ والعربيَّ ودَّع قامةً أدبيَّةً وفكريَّة مبدعة، بعد حياة حافلة بالإنتاج المعرفيِّ صاغ خلالها أبعادًا جديدةً للقصيدة والفكر، وترك خلفه أثرًا عميقًا في وجدان الأدب ومحيطه.
من التعليم إلى الحداثةبدأ الراحلُ العلي -رحمه الله- مسيرته المهنيّة مدرِّسًا للُّغة العربيَّة، وقضى نحو 19 عامًا في الميدان التربويِّ معلِّمًا ومربِّيًا؛ لينتقل بعدها ويتولَّى إدارة الاختبارات وشؤون الطلاب بإدارة تعليم المنطقة الشرقيَّة.
هذه البداية التربويَّة المميَّزة كانت حجر الأساس لمسيرة ثقافيَّة وفكريَّة ممتدَّة، امتدَّت لأكثر من سبعة عقود، أسهم خلالها العلي بشكل جوهريٍّ في تطوُّر القصيدة السعوديَّة الحديثة، وكان من أبرز الأصوات الفاعلة التي قادت النقاشات الفكريَّة والنقديَّة للحركة الأدبيَّة في المملكة.
بصمة صحفيةتولَّى الأستاذ محمد العلي رئاسة تحرير صحيفة «اليوم» لمدة عامين، أشرف خلالهما باقتدارٍ على شؤون تحريرها، وملحقها الأدبيِّ، كما ارتبط اسمه في أذهان القرَّاء بزاوية «كلمات مائيَّة»، التي كانت نافذةً فكريَّةً وثقافيَّةً أطلَّ منها على المشهد الثقافيِّ؛ ليرفده برؤاه وأفكاره العميقة.
إثراء المكتبة العربيةأثرى الشاعر الراحل المكتبة العربيَّة بمؤلَّفات ونتاج أدبيٍّ متميِّز عكس عمق تجربته الشعريَّة والفكريَّة، ومن أبرز مؤلفاته:
* ديوان «لا ماء في الماء».
* ديوان «هموم الضوء».
*كتاب «درس في الماء».
• كتاب «حلقات أولمبيَّة: مقالات في قضايا التنوير والحداثة».
تقدير وتكريموتقديرًا لهذا العطاء الممتد، حظي المبدعُ الكبيرُ محمد العلي -رحمه الله- بتكريم واسع في حياته؛ حيث احتفت به جمعيَّة الثقافة والفنون بالدَّمام عام 2015م بإطلاق اسمه على الدورة الأولى من مهرجان الشعر.
كما تُوِّجت مسيرته الإبداعيَّة بحصوله على «جائزة الأمير عبدالله الفيصل العالميَّة للشعر العربي» عام 2022م في فرع «التجربة الشعريَّة».
وُلد المبدعُ الكبيرُ محمد بن عبدالله بن حسن العلي -رحمه الله- في قرية العمران بمحافظة الأحساء عام 1932م، ورحل في الثامن والعشرين من أكتوبر الماضي عن عمر ناهز 94 عامًا، تاركًا وراءه فكرًا ممتدًّا وأثرًا حيًّا لا يمحوه الغيابُ.