كأنه مقدَّر لثقافتنا أن تعيش حالةَ صخبٍ مستمر، وأن تبقى على صفيح ساخن من التجاذبات التي تخرج أحيانًا عن خط (الاعتدال) وتنحى منحى (التطرف) في الرأي الذي لا يرمي للوصول إلى أرضية مشتركة تستوعب الجميع. مشكلة بعض المنتمِين للثقافة أنهم ينطلقون في مواقفهم وأحكامهم من منطلق أنهم وحدهم من يملك الحقيقة المطلقة، وأن أي رأي يخالفهم سواء كان في فلك الثقافة -أو حتى خارجه- فإنما هو رأي شاذ يستحق الإقصاء والمصادرة. لكُم أن تعودوا للمؤتمرات والملتقيات المحلية (الأدبية والثقافية) لتروا كمَّ الصخبِ المصاحب لتلك المؤتمرات والملتقيات، وكمَّ الآراء (المتشظية) التي تنال منها. دونكم مؤتمر الأدباء السعوديين الخامس الذي عُقد بالرياض مؤخرًا تجدوا كمًّا من الآراء المحتدَّة حوله؛ ما بين: هل هو مؤتمر للأدباء أم للمثقفِين؟ وهل هو خاص بالسعوديين أم كان ينبغي استضافة شريحة أكبر من الأشقاء العرب؟ والدعوات وتجاهلها بعضَ الأدباء والمثقفين، وكمُّ وكيف الأوراق المقدمة فيه..إلخ. بدءًا ينبغي الإقرار بأنَّ النقد (الهادف) هو الطاقة المجدِّدة لتلك المؤتمرات والملتقيات، وأن بعضًا من النقد الذي طال مؤتمر الأدباء كان (ذا أهداف نبيلة) غايته الوصول بالمؤتمر وأمثاله لملامسة تخوم الرضا، ثم إن أولئك النقاد (ذوي الأهداف النبيلة) هم من عُمق مدرسة الأدب والثقافة، غير أنَّ جزءًا من النقد الذي طال المؤتمر أتى من أسماء ليس لها في الأدب والثقافة إلا المسمى، لكنها اتكأت على كريزماها وجلبتها المعهودة، ولم تكن غاياتها إلا المشاركة (مع الخيل..) بقصد تسجيل موقف ولفت النظر، على مبدأ (نحن هنا). لا ينكر عاقل أن أي مؤتمر أو ملتقى أو معرِض مهما كانت الجهود المبذولة فيه فلن يحقق الرضا التام عند الشرائح كافة، وسيبقى قاصرًا عن بلوغ المثالية المرتجاة، ولذا تتناوله الأقلام (الصادقة) بالنقد الهادف طمعًا في التصحيح والارتقاء دون مجاملة للمؤسسة الثقافية، وهذه الأقلام هي الجديرة بالاحترام والأخذ بمرئياتها وإن قَسَتْ فيها. لم يكد مجتمع الأدب والثقافة يخرج من الصخب الدائر حول مؤتمر الأدباء السعوديين الخامس حتى دخل في صخب جديد حول قصيدة الشاعر السعودي حيدر العبدالله (مخطوطة القرى والظلال) التي تشرَّف بإلقائها أمام خادم الحرمين الشريفين أثناء زيارته للمنطقة الشرقية. الموقف من القصيدة أخذ ثلاثة مسارات: المسار الأول- مسار (المصطادِين في الماء العكر) الذين لم يجدوا للشاعر والقصيدة حسنة واحدة.؛

ولا غرابة في ذلك فأكثرهم لا يمت للأدب والثقافة بِصلة، بالتالي فآراؤهم لا تخرج عن كونها (طقطقة) لا يُعتدُّ بها أصلاً. المسار الثاني- مسار المدافعين (الإقصائيين) الذين يرون أن الشاعر لا شِيَةَ في إلقائه، وأن قصيدته مكتملة الأركان مستوفية عناصر الجمال، وأن من ينتقده إنما ينتقده لأمور خارج مجال النقد الأدبي، ومع كل هذه المبالغات والغوص في النوايا وتحميلها ما ليس فيها لم يأتِ هؤلاء الإقصائيون بحجج دامغة تبرر دفاعهم عن الشاعر وقصيدته. المسار الثالث- مسار النقاد (الموضوعيين) الذين اتفقوا على أن الشاعر لم يوفق في إلقائه؛ كون المناسبة تتطلب منه تفاعلاً أكبر، واتفقوا على مواطن جمال (متعددة) في القصيدة، مع بيانهم لمواضع الخلل (المحدودة) في تراكيبها ومفرداتها.. وكفانا الله صخب الصَّخَّابِين.