في بعض القضايا التي يخفق فيها طرف كلياً مقابل الطرف الآخر، يُقال (إن الطرف الخاسر لم يؤدِّ واجبه) أو (لم يقرأ الدرس جيداً)! في هذه القضية كما في غيرها هناك طرفان هما المحكمة الجزائية في مكة المكرمة وجهة مقابلة لا أعلم إن كانت هيئة الادعاء العام أو غيرها.

القضية بدأت قبل 5 أعوام بمائة متهم بتهم كبيرة من النوع الثقيل مثل الرشوة والتزوير وسوء استغلال السلطة، ومن المتهمين رجال في سلك القضاء نفسه. ولضخامة التهم فقد تم سجن عدد منهم لمدة عام، وجرى التحقيق معهم على مدى 3 أشهر، ثم استقر الأمر على تقليص عدد المتهمين إلى 25 فقط بينهم قاضٍ وكاتب عدل (المدينة 9 ديسمبر).

وأخيراً أصدرت المحكمة الجزائية حكمها ببراءة (جميع) المهتمين، أي أن صاحب الدعوى (خرج من المولد بلا حمص)، صفر اليدين وخالي الوفاض ومكسور الخاطر.

طبعاً الحق أحق أن يُتبع، والبراءة خير كثير. لكن السؤال المهم: كيف بدأت هذه النار أصلاً، وكيف انتهى دخانها! هل يُعقل أن يمكث من مكث في السجن عاماً أو أقل دون أدلة شبه دامغة، ودون شهود ودون اعترافات! شعوري (وربما يشاطرني الشعور نفسه آخرون) هو أن ثمة (شيئاً) غلط!! كيف تنتهي تلك القائمة المفزعة من الاتهامات، وذلك العدد من المتهمين إلى مجرد غبار لا قيمة له ولا أصل!

نحن ولله الحمد نعيش في دولة مؤسسات، والمؤسسات لا تمثل أفراداً أو أهواء، وإنما هي محكومة بنظام ومنهج وآليات عمل، ولذا فدواعي الاتهام لا بد أن تكون مبنية على أسس راسخة وقرائن واضحة وأدلة ثابتة، وكذا فإن أحكام البراءة لا بد أن تنطلق كذلك من أسس راسخة ومبادئ عدلية واضحة لا تحتمل إلاّ قراءة واحدة تقول: (إن كان كل هؤلاء المتهمين أبرياء، فإن المذنب بلا ريب هو صاحب الدعوى أياً كان فرداً أو مؤسسة)، وهو ما أكده المتهمون بعد إصدار صكوك براءتهم، إذ سيتجهون إلى القضاء للمطالبة برد الاعتبار. المحصلة 5 سنوات مهدرة وأعمال (معطلّة) بسبب كفّ أيدي هؤلاء عن العمل.

صراحة أنا محتار، ودليلي احتار!!