الرغبة في الخلود الأبدي كانت ولا تزال حلم البشرية الذي لن يتحقق في هذه الحياة الدنيا! وبسبب هذا الحلم (المستحيل) خرج أبو البشرية آدم عليه السلام وزوجه حواء من رياض الجنان إلى عوالم العناء في الأرض، حين أغواه عدوه الأكبر إبليس: (قال هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى!)، ولم تكن الشجرة إلاّ تلك نُهي عن الاقتراب منها أو لمسها. وعندما أطاعه آدم بدأ مشوار المعصية: (وعصى آدم ربه فغوى)، وكانت المعصية جزءًا من الإرث البشري حتى قيام الساعة، ولا دواء لها إلاّ الاستغفار والتوبة والأوبة.
غواية أصلها الرغبة في الاستمرار حيًا دون نهاية، وباقيًا بلا موت. هذه الرغبة في البقاء قد تستحوذ على حياة الإنسان، فتنسيه حقيقة الموت ونهاية الطريق، فيظل راكضًا لا يكل ولا يمل، فلا تلوح في خاطره ذكرى الموت إلاّ نادرًا.
وإبان ركضه المتواصل يستمرئ تحطيم كل قيد فاضل يربطه بحقيقة الموت، فتراه يغرف من ركام الحياة ويتقلب في غرورها الواهم ونعيمها المؤقت الزائل بكل ما أوتي من قوة إلا أن يعيقه مرض مكبّل أو ظرف قاهر.
وكلما اشتد هذا اللهاث الجامح، كلما تناسى صاحبه الحقيقة الخالدة التي لا مناص منها (كل نفس ذائقة الموت)، فتراه حتى في ساعات عمره المتأخرة، وقد بلغ من الكبر عتيًا يحلم بأن يتجاوزه الموت إلى غيره! هو في داخله رغبة لا تزال متقدة يطمع من خلالها في (الخلود)، حتى وإن تظاهر بغير ذلك.
هؤلاء قد يعجزون عن أداء وظائف الحياة المعتادةـ إلاّ وظيفة جمع المال، يعده عدًا ويزيده عقارًا ونقدًا، لا يخطر على باله كيف جمعه ذات يوم من حل وغير حل! لا يريد إنفاقًا في الخير إلاّ بتقتير شديد، ولا يريد إعادة بعض ما استولى عليه بسبل ووسائل لا تليق علّه يطّهر كنوزًا تنوء بحمل مفاتيحها أولي القوة، أو ليجد من المستفيدين منه دعوات طيبة ورحمات هو في أمسِّ الحاجة إليها حين يواري جثمانه التراب ليطوي معه رغبة الخلود.