الإرهاصات هي البشارات التي يحدثها الله، فالأحداث غالباً يسبقها من الدلالات والإشارات ما يكون مؤذنا بقربها وعلامة على وقوعها.

ولم يطرق البشرية حدث أعظم من نعمة مولد «سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم»، النعمة التي تفضل الله بها على الكون إلى قيام الساعة، فكان مولده ميلاد أمة ختم الله به أنبياءه، ليكون الرسول النبي رحمة لهذه الأمة.

وكان مولده صلى الله عليه وسلم «يوم الاثنين» الذي سئل فيه عن صومه فقال: «فيه وُلدت، وفيه أنزل علي».. فكان صومه له شكراً لله، وأكثر أهل السِّيَر على أنه ولد «يوم الثاني عشر من ربيع الأول»، بجوف مكة المكرمة، بشعب بني هاشم «بعد حادثة الفيل» بخمسين يوما.. (570 بعد الميلاد، 53 ق هـ).

فعن قيس بن مخرمة رضي الله عنه، قال: ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم «عام الفيل» «لدان»، يعني ولدنا مولداً واحداً، رواه البيهقي.

وقد وقع قبل مولده صلى الله عليه وسلم «دلائل» وهي: حادثة الفيل، ونور يخرج من حمل أمه به حينما ولدته، ونجم في السماء، وخبر أحبار اليهود، وهناك دلائل قبل نبوته، وبعد بعثته، وإخباره بما يقع حتى قيام الساعة.

1- فحادثة الفيل، الذي سمي بعام الفيل، نسبة إلى الحادثة التي وقعت، والتي حاول أبرهة بن الصباح الأشرم، أو كما كان يعرف بأبرهة الحبشي وقومه، وهم نصارى، يتبعون الروم، والذي ملكوا اليمن بعد «حمير» من قبل مملكة، أكسوم الحبشية، «بهدم الكعبة» ليجبر العرب، وقريش للحج إلى كنيسة القليس، في اليمن، فيقال أنه خرج «بستين ألف» مقاتل، وثلاثة عشر من الفيلة، يقودهم أبرهة على فيل ضخم، فلما بلغ وادي محسر، والذي يقع بين منى ومزدلفة، بركت الفيلة، ولم تتقدم نحو الحرم، وبينما هم كذلك أرسل الله عليهم طيراً أبابيل من البحر أمثال الخطاطيف لدى كل طائر ثلاثة أحجار مثل الحمص، والعدس، واحد في منقاره، واثنان في رجليه، فقذفتهم بها، لا تصيب أحداً منهم إلا هلك، ثم أرسل الله سيلاً ألقاهم في البحر، والبقية ولّوا هاربين مع أبرهة متهالكين، وتوفوا باليمن.

قال ابن كثير: «هذه من النعم التي منّ الله بها على قريش»، وقال ابن تيمية: «إن هذه الآية لم تكن لأجل جيران البيت، بل كانت لأجل البيت، ولأجل النبي صلى الله عليه وسلم الذي ولد في ذلك العام».. ولعل ذلك من بديع الحكم الإلهية، فكما أن حادثة الفيل منة من الله على قريش، ففي ولادته صلى الله عليه وسلم في العام ذاته ليس منة منه عليهم فقط، بل منة منه على الإنس والجن أجمعين.

2- نور يخرج من حمل أمه به حينما ولدته، فهي قرشية كلابية من الأبوين فقد تزوجها عبدالله والد النبي صلى الله عليه وسلم عن عمر يقال ثلاثين سنة.

قال صلى الله عليه وسلم: «رأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور بصرى من أرض الشام» رواه أحمد والحاكم، وقال ابن كثير توطئة، وخروج هذا النور، وفي لفظ «سراج وشهاب»، عن وصفه إشارة إلى ما يجيء به من النور الذي اهتدى به الكون، وقالت السيدة آمنة والدته صلى الله عليه وسلم «لقد علقت به فما وجدت له مشقة حتى وضعته، ولا وجدت له ثقلا كما تجد النساء» وروى ابن حبان عن حليمة عن آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: «إن لابني هذا شأن».

3- ظهور نجم أحمد في السماء: وهو نجم لامع في السماء له خصائص تختلف عن غيره من النجوم، وقد عرف اليهود أن «أحمد» هو خاتم الأنبياء، وقد ولد به. رواه البيهقي، واسمه في التوراة والإنجيل «أحمد» يحمده أهل السماء والأرض.

4- إخبار أحبار اليهود بمولده، فكان أحبار يهود يصعدون ليلة مولده صلى الله عليه وسلم على ربوات ينادون بأعلى صوتهم طلع الليلة «نجم أحمد»، الذي يولد به.

وقد أمرنا الله أن نعتبر بالأيام وما يقع فقال: «وذكرهم بأيام الله».

وختاماً.. كان مولد النبي صلى الله عليه وسلم هو نشر الحق والعدل والمساواة، ورفع الظلم والعدوان، وإزالة الشرك وإخراج الناس من الظلمات والاستعباد والقهر والذل.

فما مولد سيدنا الرسول

في مكة ليشيع فيها النور

إلا أعظم خبر وأروع شعور

فهو الذي جاء لتستقيم الأمور

ويزيل الجهل والظلم والشرور

وينشر الفرحة والبهجة والسرور!