يوم القيامة عند الحساب، يميِّز اللهُ سبحانه وتعالى، العبادَ بسماتٍ تجعل حالهم مكشوفًا أمام العباد، فتعرف حينها مصير كلِّ فئة بتلك السِّمة التي يُعرف من خلالها: هل هو من أصحاب الجنَّة، أم من أصحاب السَّعير؟ فالبعض مثلًا ميَّزهم اللهُ تعالى بالنُّورِ الذي يسعَى بينَ أيديِهم كمَا في قولهِ تعَالى: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، والبعض الآخر ميَّزهم اللهُ تعالى بالنَّظر إلى ربِّهم، كما في قولهِ تعَالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، بينما وعدَ أصحابَ السَّعير بحرمانهم من النَّظر إلى ربِّهم، كما في قولهِ تعالى: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ)، وهذا غير النَّعيم غير المحدود الذي حُجب عنهم، الذي جعله الله تعالى جزاءً للمؤمنِينَ الصادقِينَ المحسنِينَ الذي يلتزمُونَ بما أمرَ به اللهُ تعالى في كتابِهِ وينتهُون عمَّا نهى اللهُ عنهُ، بينما في المقابل ميَّز اللهُ سبحانه المجرمِينَ الكافرِينَ بسماتٍ تكشفُهم يوم الحشر، كمَن يكذبُ على الله تعالى، فيحرِّم ما أحلَّه اللهُ، ويحلِّل مَا حرَّمه اللهُ تعالى، ويفتري علَى اللهِ الكذبَ كمَا في قولهِ تعالى: (قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ)، وهذه الفئة تحديدًا ميَّزها اللهُ تعالى بسواد الوجوهِ، وحول هذا نؤكِّد أنَّ المسودَّ غير الأسودِ فالمسودُّ هو الذي عاقبهُ اللهُ تعالى بسوادِ الوجهِ كعقابِ خسرانٍ، بينما غيرهم وجوههم مبيضَّة كجزاءِ فلاحِ يوم القيامة، ولا علاقة له باللَّون الأسودِ الذي خلقهُ اللهُ تعالى كجنسٍ بشريٍّ بعد أنْ أكملَ وأتمَّ وفصَّلَ ولمْ يفرِّط في شيءٍ من كلِّ تلك الأوامر والنَّواهي، وهذه الفئة تحديدًا نسألُ اللهَ تعَالى ألَّا يجعلَنَا منهُم، وأنْ يهديَهم قبلَ ذلكَ اليومِ وهُم مَن يُدلِي بفتاوى مكذوبةٍ على الله تعَالى بما لمْ يردْ في كتابهِ الكريم، وعلى رسولهِ بما لم يصح عنهُ، كما هو حال البعضِ ممَّن يحرِّم مَا أحلَّ اللهُ ويحلُّ مَا حرَّمه اللهُ وهؤلاء الذين قال عنهم رسولُ اللهِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: (إنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيسَ كَكَذبٍ عَلَى أحدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَليَتَبَّوأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ).
وما أكثر ما حملته الكتب من تلك المكذوبات من المحرمات، التي تتحول بعد زمن يسير إلى حلال؛ كونها محرمات بشرية، لم ترد في كتاب الله، ففيها تألٍّ وكذبٌ على الله تعالى، وكذبٌ على رسولهِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-.
وهؤلاء تناسوا ما وعدهم اللهُ تعالى من عذابٍ يكشفه سوادُ وجوهِهم الذي يبيِّن سواد مصيرهِم كمَا في قوله تعالى: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى للْمُتَكَبِّرِينَ)، وقوله تعالى فِي حالِ مَن تبيضُّ وجوههم أو تسودُّ يوم القيامة: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُون).
وبالرغم من كلِّ هذا الوضوح في وعيد الله تعالى لمَن يكذبُ عليهِ بحكمٍ لم ينزلهُ إلَّا أنَّنا نجد الكثير من حالات التَّباهي من قِبل البعض بذلك، فهؤلاء حتمًا سوف يصيبهم وعدُ اللهِ؛ لأنَّ الله لا يخلفُ وعدَهُ.
وكم أتمنَّى من كلِّ مَن يهمُّه الأمر في عالمنا الإسلاميِّ، أنْ يعاد تصحيح تراثنا الشرعيِّ البشريِّ الذي تضخَّمت به كتبُ المكتبات، بينما الشرعُ الحقيقيُّ المنزَّل من الله تعالى في كتابه الكريم، لا يتجاوز ثُمن الآيات التِي وردتْ في هذا الكتاب الكريم العظيم.


