عندما يبحثُ الإنسانُ عن مصدرٍ لرزقه، عن طريق العمل والجد والمثابرة، فهذا أمرٌ محمودٌ، بل ومطلوبٌ عند الحاجة إلى ذلك، ولكنْ لا بُدَّ وأنْ يتمَّ بطرقٍ لا يشوبُها شائبةٌ، واللَّافت للانتباه في هذه الفترة الزَّمنيَّة ذلك الانتشارُ السَّريعُ جدًّا لأكشاك بيع الشَّاهي في شوارعنا، حتَّى امتدَّ الأمرُ إلى إقامة مجمعات خاصَّة بها من قِبل البلديَّات، وهذا أيضًا يُعدُّ التفاتةً محمودةً من قِبل البلديَّات، ولكنْ نتمنَّى أنْ تكون بطرقٍ مختلفة سنذكرها، ولعل هذه الظاهرة التي انتشرت كالنَّار في الهشيم، تطرح بعض التَّساؤلات البريئة، علَّنا نجدُ الأسباب التي أدَّت إلى هذا الانتشار السَّريع، ومن تلك التساؤلات:
- هل الشَّاهي إحدى الضَّرورات الحياتيَّة، نحوِّله إلى مصدرٍ للرِّزق الرَّابح؟
- هل كُنَّا نفتقدُ للشَّاهي في منازلنا، فأصبحنا نبحثُ عنه في أكشاكِ الشوارع؟
- هل أُغلقت كافَّة أو أغلب المسارات التجاريَّة، حتَّى لا يجدُ المرءُ سوى بيعِ الشَّاهي؟
- هل استثمرَ البعضُ من ذوي الحاجات الخفيَّة الممنوعة للتَّستُّر خلف تلك الأكشاك، بعد أنْ وجدها بيئةً مناسبةً لتحقيق رغباتِهِ؟
أمَّا التَّساؤلُ الأهمُّ، والذي يطرح نفسه أمام شبابنا وشاباتنا فهو: بلادنا الحبيبة تعيشُ مرحلةَ قفزات حضاريَّة متباعدة ومتنوِّعة المجالات، ولديكم العقولُ الفذَّة المبدعةُ المخترعةُ، ولا تبتكرُوا الأعذارَ المُثبِّطة مثل لا يوجد وظائف مناسبة، ولا يوجد مال، فالوظائف لا تدقُّ الأبواب، بل تُلبِّي للباحثِينَ عنها، حتَّى لو كانت البدايات برواتبَ أقل من الطُّموحات، فحتمًا ستكون أفضل من بيع الشَّاهي، ولماذا لا تبحثُونَ عن طرق كسب العيش من خلال مشروعاتٍ صغيرة، قد تكبر مستقبلًا؟ فمَن يتطلَّع للوصول إلى القمَّة عليه أنْ يمهِّد الطَّريق بنفسه، وقد يفشل، ثُمَّ يفشل، ولكنَّ الفشل يُعدُّ الطَّريق إلى النَّجاح، وهذا لا يعني انكماشكم في المنازل، والعيش على هبات الأهل..
فَمَنْ يَتهَّيبْ صُعودَ الجِبَالِ
يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَينَ الحُفَر
والحياةُ تستوجبُ الكدَّ والتَّعب والشَّقاء حتَّى الوصول إلى النَّجاح، وهذه من سنن اللهِ تعالى حين قال: (لَقَدْ خَلَقنَا الإِنسَانَ فِی كَبَدٍ).
ثمَّ يبقى السُّؤال الموجَّه إلى مَن يهمُّه الأمر؛ للالتفات لهذه الظاهرة، ومحاولة دراستها، وسبر أغوارها، ثمَّ إيجاد الحلول الناجحة لها؟
ولعلي هنا أتقدم بمقترح تنموي، قد يفتح لشبابنا -بنين وبنات- أفقًا جديدةً وأبوابًا جديدةً بأنْ تتحول تلك الأكشاك إلى حاضنات تنموية في مختلف المجالات التنموية؛ بشرط أنْ تكون مدعومة من الدولة، وفق شروط بحيث تتولَّى كل حاضنة منها إقامة مشروع تنمويٍّ خاصٍّ لصاحب كلِّ حاضنة، بحيث يكون هذا المشروع مرفقًا بخطَّة وآليَّات ودراسة جدوى من قِبل المتقدِّم أو المتقدِّمِينَ به، وهنا نكون قد أوجدنا مصدر رزق مستدامًا للشَّباب، وفي الوقت نفسه فتحتِ الدولةُ -رعاهَا اللهُ- بابًا لعنصر تنمويٍّ قد يكبر مستقبلًا، يصبُّ في مسارب التنمية الكُبْرى للدَّولة، وخاصَّةً إذا كان هذا المشروع يحمل فكرةً مبتكرةً وإبداعيَّةً مستوفيةً لدراسة الجدوى، وجيِّدة التَّخطيط، فالدولة حتمًا ستكون مستفيدةً مستقبلًا اقتصاديًّا، بالإضافة إلى دعم فكرة المشاركة الفاعلة في التنمية، من قِبل الشَّباب، وكمْ أتمنَّى أنْ تكونَ الحاضنةُ منطلقةً من طبيعةِ التخصصِ لصاحبِ الحاضنةِ، ويقيني أنَّ هذا المقترحَ معمولٌ بهِ في الصِّين، واليابان، وإندونيسيا، وكثيرٍ من البلدان.
وختامًا أودُّ القول: إنَّ الاقتصادات النَّاجحة عند الدول الكُبرى ينقسمُ المجتمع فيها إلى ثلاث فئات على النحو التَّالي:
فئة الأغنياء، وهم غالبًا يمثِّلونَ 20٪ من أفراد المجتمع، وهم مَن يتولُّونَ إقامة المشروعات الخاصَّة الكُبرى، وهم مَن يستقطبُ عددٌ من المواطنِينَ للعمل بها، ثمَّ فئة الطبقة المتوسطة، وهي تُعدُّ الطبقة الكادحة والدينمو المحرِّك للاقتصاد؛ كونهم يمثِّلونَ الغالبيَّة السكانيَّة، وهم يمثِّلونَ -في الغالب- 60٪ من أفراد المجتمع، وهم مَن يقومُونَ بدعم الاقتصاد، من خلال المشروعات الصَّغيرة، وهم الطبقة الأهم في المجتمع، ثمَّ الطبقة الفقيرة، التي تعجزُ عن العمل؛ لأسباب مختلفة، وهم مَن يتلقونَ الدَّعم المجاني من الدولة، وبقية أفراد الشعب.


