Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. محمد سالم الغامدي

اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ

A A
لم يخلق اللهُ سبحانَه العبادَ عبثًا، بل خلقهم لعبادتهِ وعمارة الأرض، ولعبادتهِ وضع لهم دِينًا تضمَّنته الكُتب السماويَّة التي أنزلَها عليهم تباعًا عن طريق رُسلهِ المصطَفِين، وحدَّد في تلك الكتب كلَّ مضامين تلك العبادة، وفي الشريعة الخاتمة، أنزل الله تعالى على رسوله، مضامين تلك العبادة في هذا الكتاب المُنزَّل (القرآن الكريم)، حيث أتمَّ فيه كلَّ مضامين ذلك الدِّين الذي تتمُّ من خلاله تلك العبادة، وأتمَّ كلَّ عنصر منها كما وردَ في الآيات التالية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، وقوله: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ)، وقوله: (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا)، وبالرغم من هذا التِّبيان لكلِّ شيءٍ، والإكمال، والإتمام، والتَّفصيل، والتَّفسير، وعدم التَّفريط في شيءٍ، إلَّا أنَّ البعضَ من البشر لم يلتزم بذلك، فخرجوا عن نطاق هذا الكتاب العظيم، فأضافُوا، وابتكرُوا، وتنكَّرُوا لتلك الثَّوابت في كتاب الله، الَّذِي لَا يَأتِيهِ البَاطِلُ مِن بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِن خَلْفِهِ، فكانَ ذلك مصدرًا للانحراف عن مضامين كتاب الله، فانحرف بالأُمَّة إلى منعطفاتٍ وتشرذماتٍ عقديَّةٍ تمثَّلت في مسمَّيات كالمذهبيَّة والطائفيَّة، فانطبق على واقع حالها قول الله تعالى: (حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ)، وقوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ)، وفي هذه الحالة المُزرية تناسوا ما كرَّمهم الله به دون غيرهم من المخلوقات من العقلِ، وحُسنِ التَّدبير والتَّفكُّر والتَّدبُّر، والبحث في أسرار الكون، واستجلاء ما خفي منها، وفي المقابل ذمَّ كلَّ مَن يهمل هذه الخاصيَّة في كافَّة العبادات والمعاملات الحياتيَّة في الكثير من الآيات، كقوله تعالى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ)، وقوله تعالى: (أفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور).

كما نهانا سبحانَهُ وتعَالَى عن التَّعجُّل والتَّسرُّع والتَّخبُّط في سائر الأمور الحياتيَّة، فقال: (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ)، وقال: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) وقال عزَّ وجلَّ: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا).

وهنا شبَّه اللهُ -سبحانَهُ وتعَالَى- مَن لم يلتزم بإحكام العقل من تفكيرٍ وتدبُّرٍ وتبصُّرٍ؛ بـ(شَرِّ الدَّوابِّ)، كونها تعيشُ حياةَ العبثِ والفوضَى وتُسيَّر من قِبَل الغير بيسرٍ وسهولةٍ.

وبما أنَّ المجتمعات العربيَّة هي مَن يتحدَّث بلسانها القرآن العظيم، ومَن أُرسل منها خاتم الأنبياء والمرسلِينَ، فإنَّ المستوجَب أنْ تكون الأكثر التزامًا بتلك التَّعليمات الربَّانيَّة، لكن الواقع الذي تعيشه يقول: إنَّها الأكثرُ بُعدًا عن ذلك من حيث الالتزام بتلك التَّعليمات الكريمات، بل نرى أنَّ الذي ينطبقُ على سلوكيَّات ومعاملات الكثيرِينَ منهم مُسمَّى «شرُّ الدَّوابِّ».

وحتَّى نكون مُنصفِينَ في ذلك الحُكم، سوف نُوردُ ذكرَ بعضِ تلك الممارسات منها على سبيل المثال لا الحصر:

- الاندفاع خلف الغير، من غيرِ هديٍ كعمليَّات التَّقليد في الشَّكل والسُّلوك دون وعيٍ، ودون فائدةٍ تُرجَى خلف ذلك التَّقليد الأعمَى.

- ما نُشاهدهُ من تلك الاندفاعات لكثير من الشَّباب خلفَ بعض المتأسلمِينَ ومدِّعي الفتوى، أو المضلِّلين من فوق المنابر، أو بوسائل التواصل الاجتماعيِّ بدعوى الجهاد، ومحاربة الكُفَّار، دون تعقُّلٍ، أو إدراكٍ للأسباب والنواتج المترتِّبة على ذلك، ودون تبصُّرٍ حقيقيٍّ لأحكام الجهاد وضوابطه.

وبعد هذا كلِّه، هل نجد من يعيد هذه الأمة إلى كتابها التام المفصل المفسر المنزل من رب العالمين، والمبلغ من خاتم المرسلين؟.. نتمنَّى ذلك.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store