تميَّزت الطَّائف -كما غيرها من مدن بلادنا- بتقاليدَ راسخةٍ كوَّنت جزءًا من هويِّتها؛ بسبب حرص أصحابها على العناية بها، والصدق على ما يقدِّمونه، وكانُوا في إجمالهم من أبناء البلد وأهله، كما كان البعض منهم يحرص على مشاركة الأبناء أسرار المهنة؛ بما يؤدِّي إلى استمراريَّة التقاليد، والحثِّ الدَّقيق على التزام الأمانة في كلِّ تفاصيل أعمالهم. ومن تلك الأماكن التاريخيَّة في مدينة الطَّائف الأفران، والتي كان يملكها ويعمل بها أصحابُها، وتميَّز كلُّ فرن منها بسمعةٍ طيبةٍ بين النَّاس؛ لما كان يحرص عليه صاحبُه من إنتاج ما يحتاجه المجتمع بكل أمانةٍ وصدقٍ.
أحد أشهر تلك الأفران، فرن العم مسعود الجهني، في حارة أسفل، فقد تميَّز بعيش الحب الحجم العادي، ولا يخبز غيره. وكان العم مسعود -رحمه الله- يخبزُ العيش بنفسه، ويحرص على نقاوة الحب، ونظافة الفرن. واستمرَّ -رحمه الله- يعمل في فرنه حتَّى توفَّاه اللهُ، غير أنَّ ابناءه اتَّجهُوا إلى التعليم، وغدُوا من منسوبيه، فلم يعد وجود للفرن، وافتقد أهالي الطَّائف ذلك، وأسرتي واحدة منهم.
ثمَّ يأتي فرن الصيرفي، في حارة فوق، والذي اُشتهر بعيش الحب الكبير، ولا زال يعمل حتى اليوم، وإن كان قد تغيَّر موقعه الى حارة السَّلامة. كان الفرنُ مقصدَ كثيرين من أبناء الطَّائف، فإضافة إلى تميُّزه بعيش الحب الكبير، كان يخبز الشابورة المتميِّزة، وبأشكال متنوِّعة، ولازال حتى يومنا هذا يعمل ويخبز العيش والشابورة، وله مركز توزيع في برحة العباس بالقرب من مسجد عبدالله بن عباس -رَضِيَ اللهُ عنهُ-.
ومن أقدم أفران الطَّائف، فرن الدفاع، أو ما كان يسمِّيه أهلُ الطَّائف بفرن الجيش، وهو في حارة الشرقيَّة، والآن في شارع أبو العتاهية، في حارة البخاريَّة. وكان الفرنُ يموِّل وزارة الدفاع، ومستشفيات الطَّائف. كان صاحبه ومنشئه جميل خوقير، ثمَّ انتقلت ملكيَّته إلى آل الحميدي، والذي يُديره الآن العم محمد أحمد الحميدي، وقِيل إنَّ الفرن تأسَّس في عام 1361هـ.
وهناك العديد من الأفران الأُخرى، التي كان يملكها أسرٌ من أهل الطَّائف، مثل فرن العم عمر عامر، في باب الريع، وله مركز توزيع في سوق البلد، واليوم محل لبيع الملابس، وفرن إبراهيم كشميري، وفرن حسن حدايدي، وفرن معتوق قعيد، وفرن عمر أمان، وفرن عبدالله هباش. وهذه كلها تحتاج إلى إعادة إحياء سواءً من ورثة أصحابها، أو من وزارة الثقافة التي تقومُ بتطوير المنطقة التاريخيَّة، وعدد من المباني والقصور التاريخيَّة؛ للحفاظ على جزءٍ من هويَّة الطَّائف.


