Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

رايـــــات

A A
لعالم الرَّايات ثقافتُه الخاصَّة، ولغتُه المميَّزة، وفيه حالاتٌ كثيرةٌ تستحقُّ التأمُّل. ومن أشهر الرَّايات التي أثارت جدلًا طويلًا، دام قرابة ستين عامًا، الرَّاية الأمريكيَّة التي وضعها رائدا الفضاء (أرمسترونج، وألدرين) على سطح القمر. فقد بدت الرَّاية قائمةً، بينما كان المتوقَّع منطقيًّا أنْ تكون منتكسةً؛ بسبب انعدام الهواء في تلك البيئة. وتفسير ذلك أنَّهما وضعا عصاةً معدنيَّة خلف العَلَم؛ لرفعه، وإظهار تفاصيله.
وأكبر الأعلام المرفوعة على سارية في العالم، هو علمُ المملكة في مدينة جدَّة؛ إذ يغطِّي مساحة تكفي لتغطية طائرة إيرباص 321، التي تتَّسع لمئة وسبعين راكبًا، ويرفرف يوميًّا بفخرٍ بوزن يقاربُ نصف وزن سيارة «كامري». ويتميَّز علمُنا بأجمل الكلمات على الإطلاق: كلمات الشهادة الرَّائعة، كما يتميَّز بلونه الأخضر، وهو أحد الألوان الأساسيَّة الثلاثة التي أنعم الله علينا بها لاستشعار جميع الألوان، بل إنَّه من أكثر الألوان إشراقًا للبشر؛ بسبب حساسيتنا له، مقارنةً بالألوان الأُخرى.
ومن المواقف الجميلة أنَّ علمَنا حَظِيَ بمكانةٍ خاصَّةٍ خلال مباريات كأس العالم الأخيرة؛ فبسبب وجود لفظ الجلالة لم يوضع على الأرض كبقيَّة الأعلام، وكانت تلك من اللَّفتات الجميلة في احتفالات المناسبة الرياضيَّة العالميَّة الأولى في العالم. وعلى سيرة كأس العالم، فقد رأينا بعض الرَّايات التي تستحقُّ وقفات تأمُّل. فعلمُ إيران يحمل كلمات عربيَّة بدلًا من الفارسيَّة، بالرغم من الشعور الفارسيِّ السلبيِّ تجاه العرب. وبعض الرَّايات تجعلُ من الصَّعب أنْ تشجع فرق تلك الدول؛ فعلم احدى الدول مثلًا يحمل الصَّليب الأحمر على خلفيَّة بيضاء، وكأنَّه يذكِّرنا بالحملات الصليبيَّة. وللإيضاح، فخلال تلك الحملات الغاشمة، بدءًا من عام 1099، كان الفرسانُ يلبسُون اللِّباس الأبيض، وعليه الصليب الأحمر على صدورهم في رحلة الذهاب من أوروبا إلى القدس، وفي العودة كانوا يلبسونه على ظهورهم. أمَّا علم برشلونة، فستجد عليه صورة سبع قلاع للتَّذكير بإطاحة رموز الإسلام في الأندلس، وهي إشارة إلى فترة «الاسترداد»، وكأنَّها تؤكِّد أهميَّة الخلافات الحضاريَّة. طبعًا، من المفترض أنْ نأخذ هذه الأمور بروحٍ رياضيَّةٍ. وبصراحة، توجد بعضُ الأعلام المستفزِّة في رسالتها، وفي كونها تستعير رموزًا تاريخيَّة، وتدَّعي أنَّها تمثِّل حضارتها. وعلى رأسها أكثر الأعلام المكروهة عالميًّا: علم النازيَّة الأحمر، وفي قلبه الصَّليب المعكوف الذي أصبح شعارها، مع أنَّ أصوله من الحضارة الهنديَّة، ولا علاقة له بالنازيَّة. وفي السياق نفسه نجدُ علمَ الكيان الصهيونيِّ الذي يعتنقُ النَّجمة السداسيَّة، وكأنَّها من صميم الصهيونيَّة. والصَّحيح أنَّ النَّجمة استخدمت قبل اليهوديَّة، ولم ترد في النصوص التوراتيَّة بوصفها أحد رموز الديانة؛ بل ستجدها في الواقع من الزخارف المستخدمة في العمران والفنون العربيَّة والإسلاميَّة.
أمنيــــــة:
راياتُ الدول تعكس الكثير، وكلُّ راية منها تحكي قصَّة تستحق التأمُّل. وللعلم، فإنَّ عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة هو 195، شاملة فلسطين الشَّقيقة والفاتيكان. كما أنَّ هناك علمًا خاصًّا بالرَّايات اسمه الفيكسيلولوجيا، على وزن «فكس ألو لوجيا». أتمنَّى أنْ نتذكَّر أنَّ راية المملكة تمثِّل الكثير من المعاني الرّائعة، بالإضافة إلى أنَّها تحمل أجمل الرسائل الروحانيَّة، والحضاريَّة، والجماليَّة أيضًا، وللهِ الحمدُ. وهُو من وراءِ القَصدِ.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store