ذهبت إلى شقراء وأنا أظن أن الفلفل ثمرة صغيرة تختصر حضورها في مذاق حار، فاكتشفت أن بعض الثمار أكبر من حجمها، وأن الأرض حين تحب أبناءها تمنحهم ما يكفي لصناعة الحكاية.
في شقراء، لا يأتي موسم الفلفل عابرا على تقويم الزراعة، بل يجيء في أشهر الصيف مثل موعد تعرفه الأرض وتحفظه الذاكرة. في يوليو وأغسطس تبلغ الثمرة ذروة نضجها، وتمتلئ المزارع بلون أخضر يشبه البشارة، فيقام المهرجان حيث ينبغي له أن يكون: في قلب الموسم، وبين أيدي المزارعين، وتحت دهشة الزوار.
ولفلفل شقراء شخصية لا تخطئها الحواس؛ حرارة واضحة، ونكهة باقية، وجودة صنعتها تربة المكان وخبرة أهله. تعهده مزارعو شقراء بالعناية، وحفظوا بذوره، وطوّروا وسائل زراعته وريه وفرزه وتعبئته، حتى خرج من حدود المزرعة إلى الأسواق، وأصبح منتجا يحمل اسم مدينته، ويفتح أمامها أبواب التوزيع والتصدير.
ولم يتركه أهل شقراء ثمرة قصيرة العمر، بل منحوه أعمارا أخرى؛ جففوه وطحنوه، وصنعوا منه البهارات والصلصات والمخللات والخلطات الشعبية، فتحول الفلفل من محصول موسمي إلى صناعة، ومن نكهة على المائدة إلى فرصة اقتصادية للأسر المنتجة ورواد الأعمال.
كنت أمشي بين أجنحة المهرجان، فأرى الفخر معلقا في وجوه الأهالي، وأدرك أن المدن لا تصنع هويتها بالشعارات، بل بما ترعاه من تفاصيلها الصغيرة.
غادرت شقراء وأنا أكثر دهشة: كيف استطاعت ثمرة واحدة أن تجمع الأرض والناس والاقتصاد والفرح؟ لكن الإجابة كانت واضحة؛ لأن أهل شقراء لم يزرعوا الفلفل فقط، بل زرعوا حوله الحكاية، حتى صار مهرجانا يليق بمدينة تعرف كيف تحول خيرات أرضها إلى ذاكرة وطن.


