Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. عبدالله صادق دحلان

عضوية مجلس الإدارة.. مسؤولية وليست وجاهة

A A
شهدت بيئة الأعمال في المملكة -خلال السنوات الأخيرة- تحوُّلًا نوعيًّا في مفهوم عضويَّة مجالس إدارات الشركات، تزامنًا مع التطوُّرات التشريعيَّة والتنظيميَّة التي صاحبت مستهدَفات رُؤية المملكة 2030، وما رافقها من تعزيزٍ لمبادئ الحوكمة والشفافية، وحماية حقوق المستثمرين، فبعد أنْ كانت عضويَّة مجلس الإدارة تُعدُّ في نظر البعض منصبًا اجتماعيًّا مرموقًا، أو تكريمًا لمسيرةٍ مهنيَّةٍ ناجحةٍ، أو مصدر دخل محفِّز، أصبحت اليوم مسؤوليَّة قانونيَّة ومهنيَّة جسيمة، تفرض على عضو المجلس واجبات محدَّدة، وتحمِّله مسؤوليَّة مباشرة عن القرارات التي يتَّخذها، أو يمتنع عن اتِّخاذها.
لقد أكَّد نظام الشركات الجديد، ولائحة حوكمة الشركات، الصادرة عن هيئة السوق الماليَّة، أنَّ عضو مجلس الإدارة ليس مجرَّد مشارك في الاجتماعات، أو مصادق على القرارات، بل هو مؤتمن على مصالح الشركة وجميع مساهميها، ومسؤول عن ممارسة دوره باستقلاليَّة ونزاهة وعناية مهنيَّة، بما يحقق استدامة الشركة، ويحفظ حقوق أصحاب المصالح كافَّة.
ولم يعدْ من المقبول اليوم، أنْ يبرِّر عضو مجلس الإدارة تقصيره بأنَّه اعتمد على الإدارة التنفيذيَّة، أو أنَّه لم يكن مطلعًا على التفاصيل، أو أنَّه وافق على قرارات دون دراسة كافية، فالقواعد الحديثة للحوكمة تفترض أنَّ عضو المجلس يمارس رقابةً فعَّالةً، ويطلب المعلومات التي يحتاجها، ويحلِّل التقارير الماليَّة والإداريَّة، ويطرح الأسئلة، ويعترض على أيِّ قرار يرى أنَّه لا يحقق مصلحة الشركة، أو يتعارض مع الأنظمة، أو يضر بحقوق المساهمين.
وتتعدَّد مسؤوليَّات مجلس الإدارة، إلَّا أنَّ جوهرها يتمثَّل في رسم التوجه الإستراتيجي للشركة ومتابعة تنفيذه، والإشراف على أداء الإدارة التنفيذيَّة، والتأكُّد من كفاءة أنظمة الرقابة الداخليَّة وإدارة المخاطر، واعتماد السياسات التي تكفل الامتثال للأنظمة واللوائح، كما يتحمَّل المجلس مسؤوليَّة حماية حقوق جميع المساهمين دون تمييز، وضمان عدالة الإفصاح، وسلامة القوائم الماليَّة، وإدارة تعارض المصالح، ومنع استغلال المنصب لتحقيق مكاسب شخصيَّة على حساب الشركة، أو المستثمرين.
وفي الشركات المُدرجة في السوق الماليَّة، تزداد هذه المسؤوليَّات أهميَّة، نظرًا لما تمثِّله من تأثير مباشر على ثقة المستثمرين واستقرار السوق، ولذلك تخضع أعمال مجالس الإدارات لرقابة مستمرَّة من هيئة السوق الماليَّة، التي تمتلك صلاحيَّات واسعة في التحقيق واتِّخاذ الإجراءات النظاميَّة عند وجود مخالفات تتعلَّق بالإفصاح أو الحوكمة أو حماية المستثمرين، كما منح النظام الجمعيَّة العامَّة للمساهمين صلاحيَّات واضحة لمساءلة مجلس الإدارة، ومحاسبة أعضائه، بل وعزلهم متى اقتضت المصلحة ذلك؛ ووفقًا للضوابط النظاميَّة.
ولا تقف مسؤوليَّة عضو مجلس الإدارة عند حدود المسؤوليَّة المدنيَّة أو الإداريَّة، بل قد تمتد إلى المسؤوليَّة الجنائيَّة إذا ارتبطت المخالفة بأفعال تشكِّل جرائم يعاقب عليها النظامُ، ومن أبرز تلك الحالات تقديم بيانات أو قوائم ماليَّة مضلِّلة، أو إخفاء معلومات جوهريَّة تؤثِّر في قرارات المستثمرين، أو استغلال المعلومات الداخليَّة لتحقيق مكاسب غير مشروعة، أو إساءة استخدام أموال الشركة وأصولها، أو التلاعب والتزوير والاحتيال، أو مخالفة الأنظمة التي رتَّب المشرِّع على مخالفتها عقوبات جزائيَّة، وهذه المسؤوليَّات تؤكِّد أنَّ منصب عضو مجلس الإدارة لم يعد مجرَّد موقعٍ شرفيٍّ، بل أصبح تكليفًا يقتضي أعلى درجات النَّزاهة والكفاءة واليقظة.
ومن هنا، فإنَّ قبول عضويَّة مجلس إدارة شركة مساهمة ينبغي ألَّا يكون قرارًا عاطفيًّا، أو استجابة للمكانة الاجتماعيّة أو مكافأة العضويَّة، وإنَّما قرارًا مبنيًّا على تقييم موضوعيٍّ للقدرة على أداء هذه الأمانة، والسؤال الذي ينبغي أنْ يطرحه كلُّ مرشَّح على نفسه قبل قبول العضويَّة هو: هل أمتلك الوقت الكافي للاطِّلاع والمتابعة؟ وهل لديّ المعرفة والخبرة التي تمكنني من مناقشة الموضوعات المطروحة بعمق؟ وهل أستطيع ممارسة استقلاليتي كاملة دون التأثر بضغوط الإدارة التنفيذيَّة، أو كبار المساهمين؟.
إنَّ عضو مجلس الإدارة المتميز ليس ذلك الذي يحضر الاجتماعات فقط، وإنّما الذي يقرأ التقارير بعنايةٍ قبل انعقادها، ويستوعب المؤشِّرات الماليَّة والتشغيليَّة، ويطرح الأسئلة الجوهريَّة، ويطلبُ المعلومات الإضافيَّة عند الحاجة، ويعترض عندما يرى أنَّ القرار لا يخدم مصلحة الشركة، ويصوِّت وفق ما يمليه عليه ضميره المهني ومسؤوليته الائتمانيَّة، لا وفق المجاملات أو العلاقات الشخصيَّة.
ومن أهم الممارسات التي تعزِّز الحوكمة الرشيدة؛ وتحمي أعضاء مجلس الإدارة والشركة على حدٍّ سواءٍ، اعتماد محضر الاجتماع والتوقيع عليه قبل اختتام الجلسة، بحيث يتأكَّد جميع الأعضاء من دقَّة ما ورد فيه من مناقشات وقرارات واعتراضات، كما ينبغي عدم منح صلاحيَّة التوقيع الإلكتروني على محاضر الاجتماعات لرئيس مجلس الإدارة، أو الرئيس التنفيذي، أو أيِّ مسؤول إداريٍّ نيابةً عن أعضاء المجلس؛ لأنَّ محضر الاجتماع يمثِّل إقرارًا شخصيًّا من كل عضو بصحَّة محتواه، ويُعد وثيقة نظاميَّة قد يُستند إليها عند المساءلة القانونيَّة أو القضائيَّة، ولذلك فإنَّ التوقيع يجب أنْ يصدر من كل عضو بنفسه، حفاظًا على استقلاليَّة المجلس، وضمانًا لسلامة الإجراءات، وترسيخًا لمبادئ الشفافية والحوكمة.
كما أنَّ نجاح مجالس الإدارات لا يتحقَّق بمجرد الالتزام بالنصوص النظاميَّة، وإنَّما ببناء ثقافة مؤسَّسيَّة تؤمن بأنَّ الحوكمة ليست قيدًا على الإدارة، بل هي وسيلة لتعزيز الكفاءة، وترسيخ الشفافيَّة، ورفع مستوى الثقة، وحماية حقوق المستثمرين، وجذب رؤوس الأموال، وتعزيز تنافسيَّة الشركات واستدامتها على المدى الطويل، وقد أثبتت التجارب العالميَّة أنَّ الشركات التي تتمتع بمجالس إدارة قوية ومستقلة تحقق أداءً أكثر استقرارًا، وتكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وإدارة المخاطر وتحقيق النمو المستدام.
وفي ظل التحوُّلات الاقتصاديَّة التي تشهدها المملكة، وارتفاع مستوى التوقُّعات من الشركات المُدرجة وغير المدرجة، أصبح من الضروريِّ أنْ يدرك كل عضو مجلس إدارة أنَّ قبوله لهذه المسؤوليَّة يعني قبوله بالمحاسبة قبل المكافأة، وبالواجب قبل الامتياز، وبالأمانة قبل المكانة، فعضويَّة مجلس الإدارة ليست لقبًا يُضاف إلى السيرة الذاتية، وإنما مسؤولية وطنية واقتصادية وقانونية، وأمانة يُسأل عنها الإنسان أمام الله، ثم أمام النظام، وأمام المساهمين، وأمام ضميره، لأنَّ نجاح الشركات لا تصنعه القرارات الجريئة فحسب، بل تصنعه أيضًا مجالس إدارات تدرك أنَّ الثقة التي مُنحت لها هي أعظم مسؤوليَّة يمكن أنْ تحملها.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store