
بين الرياض والمغرب، صار الطريق أقصر من دعاء. هكذا شعرت وأنا أقرأ خبر فصل «سجى وضحى»؛ طفلتان، إحداهما تحمل في اسمها سكون الليل، والأخرى ضوء النهار. وفي الرياض، اجتهدت أيادٍ سعودية كي يتّسع لكل واحدةٍ منهما غدٌ تختار فيه خطواتها. ست ساعاتٍ في غرفة العمليات، وأمامنا أعمارٌ نرجو أن تمتلئ بالضحك واللعب. ما أعمق المسافة بين حساب الوقت وحساب الأثر! فالساعة تمضي، وتبقى في حياة أسرةٍ كاملة نتائجُ ما أنجزه الأطباء خلالها. أقرأ الخبر، ويذهب قلبي إلى ذلك المعنى الذي تعجز الأرقام عن احتوائه. وأفكّر في معالي
أفخر ببلادي حين أرى اهتمامها بصحة أهلها يصل إلى بيوتنا وتفاصيل حياتنا. ومع اقتراب موسم الشتاء، تذكّرنا وزارة الصحة بما يحفظ سلامة طفل نحبّه، ووالدين نحرص على عافيتهما، ومريض نتمنى أن يشارك أسرته أيامها الجميلة. أقرأ هذه الرسائل وأفكر في أثرها حين نعمل بها؛ كم من تعب يمكن تجنّبه، وكم من أسرة تبقى مطمئنة على أحبتها. هنا يكبر امتناني للسعودية، ولمن يعملون من أجل صحة الإنسان فيها. في جهود وزارة الصحة خلال الشتاء، تتجسد هذه العناية عبر التوعية بلقاح الإنفلونزا الموسمية، وغسل اليدين، وآداب السعال،
كنتُ أسمع الأرقام، وأرى الحياة التي تنتظر خلفها. في لقاءَي الأمس واليوم مع عدد من ممثلي صندوق الاستثمارات العامة، كان الحديث عن جدة؛ عن اقتصادها وسياحتها وثقافتها، وكان قلبي يذهب أبعد، إلى كل مدينة سعودية يطرق المستقبل بابها. مع الحديث عن المدن والطرقات والمباني، تخيلتُ وجوه الناس؛ شابةً تجد فرصة تشبه شغفها، وطفلًا يكبر قريبًا من البحر والفن، وعائلةً تصنع ذكرياتها في مكان جديد. هكذا كنتُ أقرأ الأرقام: أعمارًا تستحق الفرح، وأحلامًا تجد على أرضها متسعًا للتحقق. في مشروعات «وسط جدة» تتشكل ملامح
كبرنا ونحن نحفظ أسماء السيارات من أسماء البلدان التي صنعتها. نقول: هذه ألمانية، وتلك يابانية، وأخرى أمريكية. وكانت المسافة بيننا وبين صناعة السيارة تبدو، في ذلك الوقت، أبعد من الطريق نفسه. لهذا توقفت طويلًا أمام «سير». ليس لأنها سيارة كهربائية جديدة، ولا لأن «إكزوبوت» تحمل أرقامًا لافتة في القوة والسرعة والتقنية؛ بل لأن خلف كل هذه التفاصيل جملة واحدة تستحق أن نتأملها: هذه سيارة سعودية. وأحيانًا تكفي جملة صغيرة كهذه لتعيد ترتيب ذاكرتنا. أتخيل أبًا يأخذ ابنه يومًا إلى معرض سيارات، فيقف الصغير
يسعدني أن أرى شغف الآباء يكبر في أبنائهم، وأن تمتد المهنة من جيل إلى آخر، حاملة معها الخبرة والمحبة وذاكرة البدايات. عرفنا أطباء ألهموا أبناءهم، وتجارًا أورثوهم أسرار العمل، وحرفيين تركوا في أيديهم مهارة، وفي قلوبهم اعتزازًا بما يصنعون. وفي كل حكاية كهذه، أشعر بأن شيئًا من عمر الأب يواصل الحياة. وحين أتأمل تجربة الملحن عبدالرحمن محمد عبده، أجد لهذا الامتداد نغمة قريبة من القلب. فقد فتح عينيه بجوار والده، فنان العرب محمد عبده؛ قامة فنية ارتبط صوتها بوجداننا وأفراحنا وذاكرتنا الوطنية. وأتخيل كم
أفكر أحيانًا في أم تسأل نفسها: كيف سيكون غد ابني؟ وأشعر أن قيمة العمل التطوعي تبدأ من هذا السؤال؛ من قدرتنا على أن نخفف قلقًا حقيقيًا، ونفتح لإنسان فرصة يعيش بها مطمئنًا إلى نفسه ومستقبله. لهذا أسعدني إعلان جمعية الإرادة للموهوبين من ذوي الإعاقة برنامجها للتمكين ودعم الاستقرار. أعجبني أن الفكرة تنظر إلى ما بعد المساعدة، وتسأل عن استمرارها، وعن الفرصة التي تتركها في حياة صاحبها. فالتدريب قد يفتح باب عمل، والعمل قد يمنح أسرة اطمئنانًا طال انتظارها له. وأتمنى أن نسمع من الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم:
يعود مهرجان التمور الدولي في عنيزة كل عام، وكأنه عيد تعرف المدينة موعده بقلبها؛ فتتهيأ له البيوت، وتترقبه الوجوه، وتستقبل أرض النخيل زوارها بفرح يشبه لقاء الأحبة بعد غياب. أحب في هذا المشهد تلك الألفة التي تجمع الناس حول ثمرة عرفناها على موائدنا منذ الطفولة. للتمر في ذاكرتنا طعم البيت، ويد الأم، وفنجان القهوة، وكرم الباب المفتوح. وحين تحتفي به عنيزة، أشعر أنها تجمع هذه الذكريات كلها، وتمنحها مكانًا بين أصوات السوق وحركة العابرين. أتأمل المزارع واقفًا بجوار محصوله، فأفكر في الصباحات التي قضاها
سافرت مع حفيدتي ود إلى الأحساء لحضور مهرجان اللومي، فكانت الرحلة فرصة لنكتشف معًا كم يستطيع الوطن أن يدهشنا. كنت أحمل معرفتي القديمة بثمرة ألفناها في بيوتنا، وأرى بجانبي جيلا سيضيف إلى هذه المعرفة ما لم يخطر لنا يومًا على بال. عرفنا الليمون بحامضه وحلوه، وحفظت موائدنا نكهته، لكن اللومي في الأحساء يروي اليوم حكاية أوسع؛ أكثر من اثنين وستين منتجًا تنبثق من هذه الثمرة، وتكشف كيف تلتقي خبرة المزارع بخيال المبتكر. كل منتج يمنح المحصول استخدامًا جديدًا، ويمنح صاحبه فرصة ليبني مشروعًا يحمل اسمه وملامح
نشأنا في زمن كانت فيه المعلومة تحتاج إلى صبر. نبحث عنها في مجلدات الإنسيكلوبيديا، نقلب الصفحات واحدة تلو الأخرى، ونضع علامات بين السطور حتى نعود إليها عند الحاجة. كانت المعرفة تصل ببطء، وأحيانا نكتشف أن جزءا منها أصبح قديما، فيما كانت المصطلحات التقنية تأتينا غالبا باللغة الإنجليزية، فنترجمها ونحاول أن نفهم عالما يتغير أسرع منا. واليوم تبدل المشهد تماما.. أصبحت المعلومة تصل إلينا محدثة قبل أن يرتد إلينا طرفنا، وأصبح الذكاء الاصطناعي جزءا من يومنا؛ نكتب به، ونصمم، ونصنع الصورة والفيديو، ونحول
بعض الجوائز تمنح اسمًا، وبعضها يصنع للاسم خلودًا. وجائزة الملك فيصل، منذ أن بدأت رحلتها، لم تكن تبحث عمن يقف تحت الضوء، بل عمن أشعل الضوء للآخرين؛ عالمًا أضاف إلى المعرفة، وأديبًا وسع نافذة اللغة، وباحثًا أمضى عمره يطرق باب السؤال حتى فتح له، وإنسانًا جعل من خدمة الإسلام والناس معنى لحياته. واليوم، مع فتح باب الترشيح للدورة الخمسين لعام 2028، لا تعلن الجائزة عن دورة جديدة فحسب، بل تفتح صفحة أخرى من كتاب سعودي أصبح يقرأ في العالم كله. نصف قرن، والجائزة تمضي بهدوء الكبار، راسخة في مكانتها
في السعودية، لا يحتاج العمل الإنساني إلى يوم واحد كي نتذكره؛ فهو حاضر في تفاصيل حياتنا، في يد تمتد لمريض، وفي أسرة تستعيد الأمل، وفي محسن يبحث عن باب موثوق يصل من خلاله عطاؤه إلى من يستحق. ومن هنا جاء تحول منصة «إحسان» إلى مؤسسة إحسان للعمل الخيري ليحمل دلالة أكبر من مجرد تغيير في الاسم أو الصفة؛ إنه انتقال بالعطاء من منصة ناجحة إلى مؤسسة للأثر والاستدامة، ورسالة بأن الخير حين تحيط به الحوكمة والثقة والتنظيم يصبح أوسع وصولا وأبقى أثرا. عشت سنوات في العمل الإنساني، وتعلمت خلالها ألا أتذكر
كنا نسافر إلى لندن، فنمشي في شارع أكسفورد بشيء من الدهشة، نتأمل الواجهات اللامعة، ونحفظ أسماء العلامات العالمية، ثم نعود إلى السعودية وفي حقائبنا ما أعجبنا من هناك. أما اليوم، فقد تغيرت الحكاية. وفي سيلفريدجز، ذلك الاسم الذي طالما ارتبط في ذاكرتنا بالفخامة البريطانية، تقف علامات سعودية بثقة، حاملةً ذوق السعودية، وروح شبابها، وطموح جيل قرر ألا يكتفي بمشاهدة العالم، بل أن يكون جزءًا من صناعته. حين ترى اسمًا سعوديًا بين أشهر العلامات العالمية، تدرك أن الأمر يتجاوز كونه منتجًا معروضًا على رف؛ إنه
قبل أن ينشر لي أول مقال في الصحف، كان هناك رجل يقف خلف كاتبة السطور، يضيء لها الطريق كلما تعثرت، ويمنحها من ثقته ما يفوق ثقتها بنفسها. لم أنس فضله، ولا يزال اسمه يحضر في خاطري كلما نشر لي مقال. كان تخصصي الأدب الإنجليزي، وكانت لغتي العربية يومها ضعيفة، لكن شغف الكتابة كان أقوى من التردد. حملني ذلك الشغف إلى التواصل مع معالي الدكتور عبدالعزيز الخويطر، رحمه الله، وكان قلبه كبيرا يشبه قارة، تتسع أبوابه للمواهب الصغيرة، وتجد عنده الكلمة الناشئة مكانا آمنا لتنمو. أرسلت إليه مقالي الأول عبر جهاز
غادرت شقراء نحو مدينة القصب، وأنا أظن أنني ذاهبة لرؤية مملحة، فإذا بي أصل إلى حكاية كاملة كتبها الملح على وجه الأرض. كان البياض ممتدا أمامي كأنه صفحة لم تمسها يد، وكانت الشمس تنثر فوقه ضوءا يجعل المكان بين حلم وصحو، وبين صمت قديم وحياة تتجدد. وقفت أمام مملحة القصب، وتأملت كيف استطاع أهل المدينة أن يحولوا قسوة الطبيعة إلى رزق، والملوحة إلى ذاكرة، والبياض إلى تجارة. لم يكن الملح هنا مجرد مادة تضاف إلى الطعام، بل مهنة توارثتها الأيدي، وهوية حفظتها مدينة القصب، وموردا يفتح أبواب الاستثمار والسياحة
ذهبت إلى شقراء وأنا أظن أن الفلفل ثمرة صغيرة تختصر حضورها في مذاق حار، فاكتشفت أن بعض الثمار أكبر من حجمها، وأن الأرض حين تحب أبناءها تمنحهم ما يكفي لصناعة الحكاية. في شقراء، لا يأتي موسم الفلفل عابرا على تقويم الزراعة، بل يجيء في أشهر الصيف مثل موعد تعرفه الأرض وتحفظه الذاكرة. في يوليو وأغسطس تبلغ الثمرة ذروة نضجها، وتمتلئ المزارع بلون أخضر يشبه البشارة، فيقام المهرجان حيث ينبغي له أن يكون: في قلب الموسم، وبين أيدي المزارعين، وتحت دهشة الزوار. ولفلفل شقراء شخصية لا تخطئها الحواس؛ حرارة واضحة،
دخلت إحدى أمسيات الشريك الأدبي وأنا أحمل في ذاكرتي صورة قديمة عن الأمسيات الثقافية؛ مقاعد محدودة، وجمهور يعرف بعضه بعضًا، وحديث يدور بين النخبة. لكنني خرجت بصورة أخرى تمامًا. رأيت وجوهًا من مختلف الأعمار، وطلابًا وأسرًا ومهتمين، يجلسون بشغف ليستمعوا إلى قصيدة، أو يتأملوا نصًا نثريًا، أو يناقشوا فكرة ولدت بين سطور كتاب. في تلك الليلة أدركت أن الشريك الأدبي لم يكن مجرد مشروع ثقافي، بل كان جسرًا أعاد الأدب إلى الناس، وأعاد الناس إلى الأدب. جعل الشعر ينزل من رفوف المكتبات إلى نبض الحياة، وجعل النثر
كان والدي، رحمه الله، يحدثنا في طفولتنا عن أحد أفراد العائلة الذي يقيم في فرسان. كنا نصغي إليه باهتمام، غير أننا لم نكن نعرف موقع فرسان أو كيفية الوصول إليها، فبدت لنا آنذاك اسمًا يطفو على سطح البحر أكثر مما يستقر على الخرائط. رحل والدي، وبقيت كلماته عالقة في الذاكرة، تنتظر لحظة تحققها. ومضت الأعوام حتى حان موعد اللقاء الذي كتبته الأقدار. وعند وصولي إلى جزر فرسان، كان من دواعي سروري أن أزور منزل الأديب والكاتب إبراهيم مفتاح، ذلك البيت الذي يجسد أصالة جازان وكرم أهلها، حيث يلتقي دفء الإنسان بعبق
كان المسافر يطالع صور السعودية من بعيد؛ جبالها الشامخة، وبحارها الممتدة، وصحاريها التي تحفظ ذاكرة المكان، ومدنها التي تجمع بين عبق التاريخ وروح المستقبل. واليوم، لم تعد زيارة السعودية حلما مؤجلا، فقد أصبحت الرحلة إليها أسهل وأقرب، مع إطلاق مسار ميسر للتأشيرات السياحية ضمن باقات سفر متكاملة. وتتميز التأشيرة الجديدة بأنها تجمع إجراءات التأشيرة وحجز الطيران والإقامة في خطوة واحدة عبر شركات السفر والسياحة المعتمدة، مما يوفر على الزائر الوقت والجهد، ويقلل من تعدد المنصات والإجراءات. كما تمنحه مرونة
في مكة المكرمة التي نشأتُ فيها، لم تكن الأوقاف لافتةً على جدار، بل كانت جدارًا يسند ذاكرة المكان. كنا نمضي في الحارات القديمة، فنقرأ أسماء الواقفين كما نقرأ أسماء الغائبين الحاضرين؛ رحلوا بأجسادهم، وتركوا خيرهم يمشي بين الناس. كبرت وأنا أظن أن الوقف دارٌ تُؤجر، أو متجرٌ تُصرف غلته، أو بابٌ من البر لا يغلق. حتى كانت زيارتي إلى هيئة الأوقاف في الرياض، فإذا بالمعنى يتسع، وإذا بالخير الذي عرفته في مكة يلبس ثوب الحوكمة والنظام والاستدامة. هناك أدركت أن الوقف اليوم لم يعد نيةً طيبة وحدها، بل منظومة
حين تنهض السعودية، لا ترفع صوتها كثيراً؛ يكفي أن تشير إلى الجبيل وينبع ورأس الخير وجازان، فتتكلم المداخن، وتبوح الموانئ، وتشهد الطرق والواجهات والحدائق أن الحلم إذا سكن الأرض صار مدينة. هنا، في الهيئة الملكية للجبيل وينبع، لا تبدو الصناعة حديداً وأسمنتاً فحسب، بل حياة تمشي باسم السعودية؛ مدرسة تفتح بابها، مستشفى يمد يده، شاطئ يحتضن العائلة، ومصنع يكتب في دفاتر المستقبل اسم المملكة بحبر الثقة. خمسة عقود وأكثر، والهيئة لا تجمع الأرقام لتتباهى، بل لتؤكد أن الإرادة السعودية تعرف كيف تصنع المعجزة