
المراد من القاعدة الأصوليَّة: «العقل مناط التَّكليف»، أنَّ الإنسان لا يتوجَّه إليه التَّكليف الشَّرعي إلَّا إذا كان قادرًا على الفهم والتَّمييز والاختيار، فيعي معنى الأمر والنَّهي، ويدرك عواقب أفعاله، وبذلك تثبت مسؤوليَّته عنها. لكنَّنا نواجه مفارقةً واضحةً: يُطلب من الإنسان أنْ يكون عاقلًا مسؤولًا، ثمَّ يُربَّى أحيانًا على تكرار ما يسمعه من غير فهم أو سؤال. وهكذا يتحوَّل الدِّين عنده من طريق للتفكُّر والتدبُّر، إلى أجوبةٍ جاهزةٍ لا يجوز الاقتراب منها أو مناقشتها. والتُّراث حصيلة جهود العلماء،
تواجه الكفاءات الشَّريفة معضلة أخلاقيَّة في بعض بيئات العمل والإدارة: فهي غالبًا تتردَّد في التنافس على المناصب، وتتجنَّب مواقع القرار، ومسؤولية تقييم النَّاس، وضبط الأنظمة؛ خشية الصراع، أو التورُّط في الظلم، أو إساءة استعمال السلطة. لكن المشكلة أنَّ الفراغ يملأه غالبًا أُناسٌ أقل كفاءة ونزاهة، فيصبح الشرفاءُ أنفسهم عرضةً للغبن، ويقعُون تحت سلطة مَن لا يملك ما يكفي من المروءة أو الفهم. إنَّها مهزلة فعلًا. نحنُ نعيشُ في زمنٍ تتوافر فيه وسائل التَّصوير والتَّسجيل والتَّدوين والحِفظ الآني، ومع ذلك
ليست السيدة (فيروز) مطربةً كبيرةً فحسب، بل هي ذاكرةٌ وجدانيَّةٌ مشتركةٌ تسكنُ ملايين العَرب. امتلكَ صوتُها صفاءً آسرًا، وحنانًا عميقًا، وقدرةً نادرةً على تجسيد الحُبِّ والفَرحِ والحَنينِ والأَسَى والدُّعاء، من دون أنْ يفقد خصوصيَّته. وازدهرت موهبتُها الفريدة، ولا سيَّما قدرتها على الغناء بـ»الصَّوت المستعار»، في لقائها التَّاريخيِّ بالأخوين عاصي ومنصور الرحبانيَّين، وبألحانهما المجدِّدة وكلماتهما الشعريَّة الحالمة. فأثمرَ ذلك اللقاءُ مشروعًا فنيًّا متكاملًا، أعاد تعريف الأغنية اللبنانيَّة،
يرى (أبيقور) أنَّ الموت لا ينبغي أنْ يكون مصدر رُعب لنا؛ فالفلسفةُ -في جوهرها- وُجِدَت لتخفيف البؤس الإنسانيِّ، ثمَّ إنَّه لا يبدُو منطقيًّا أنْ نخاف تجربة لم نعشْهَا، ولم يَعُدْ إلينا أحدٌ ممَّن خاضها ليُحدِّثنا عنها!. إنَّ القلق من الموت، قد يتحوَّل إلى عصابٍ خفيٍّ، تُغذِّيه حتميَّة الفناء، وغموض توقيته، فيزيح الإنسان، دون وعيٍ، هذا القلق الوجودي، نحو مخاوف بديلة، كالفشل أو الفقر، وهي في حقيقتها أقنعة لخوفٍ أعمقَ. فالخوف من الموت يكمن في إدراكنا أنَّه فقدان لكينونتنا؛ ولكلِّ ما نألفهُ
ليس من الحِكمة أنْ يهبَ الإنسانُ نفسَه كلَّها للنَّاس، ولا أنْ يكون حاضرًا في كلِّ حين، ولا أنْ يظلَّ قابلًا للتوقُّع على الدَّوام. فبعض ما فينا لا يكتملُ إلَّا إذا بقي مصونًا، وبعض الخصوصيَّة ليس انغلاقًا، بل حفظ للنَّفس من التبدُّد. أحبَّ النَّاسَ، ولكنْ لا تثقلهم بتوقُّعاتك؛ فهم بشرٌ محدودُون، تتفاوت نواياهم وقدراتهم. وليست الحكمةُ في خفضِ قيمةِ الآخرِين، بل في فَهمِ حدودهم، ومعاملتهم دونَ إفراطٍ في الرَّجاء، ولا إسرافٍ في الخيبة. لذلك ليست الحدود قسوةً، بل وجهٌ من وجوه الوعي، فهي ما يحفظ
وصلتني من إحدى زميلاتي الطَّبيبات رسالةٌ مؤثرةٌ، كتبتهَا معبِّرةً عن تجربة الانتظار الطَّويل أمام عيادة الطَّبيب، لا بوصفها طبيبةً، بل ابنة تحمل قلقًا أثقل من أنْ تختصرُه الكلمات. أنقلها هنا بتصرُّفٍ يَسيرٍ، محافظًا على جوهرها المُفعم بالحِيرة والألم: «هذه ليست زيارةً عاديةً للطَّبيب. أنا هنا ابنة لمريضة بالسَّرطان في مرحلة متقدِّمة، أنتظرُ حديثًا عن خطَّة العلاج المقبلة: ما أهدافُ العلاج؟ ماذا يمكن أنْ يضيفَ؟ وأيُّ ثمنٍ يستحق أنْ يُدفَع؟. موعد كهذا لا يُشبه خانة في جدول طبيٍّ مزدحمٍ. بل قد
في تاريخ الأغنية السعوديَّة، يحتلُّ اسم (ابتسام لطفي) مكانةً استثنائيَّةً؛ إذ تُمثِّل تجربتها الإنسانيَّة دليلًا حيًّا على قُدرة الإرادة على تحويل المحنة إلى إبداع. فَقَدَتْ بصرها في طفولتها، لكنَّها امتلكت بصيرةً فنيَّةً نافذةً جعلتها واحدةً من أبرز الأصوات النسائيَّة في الغناء الخليجيِّ. وُلِدَت (ابتسام لطفي)، واسمها الحقيقي خيرية قربان عبدالهادي، في مدينة الطائف، حيث بدأت بحفظ القرآن الكريم، وتَعلُّم التجويد. وقد أكسبها ذلك صفاءً في مخارج الحروف، وقدرةً دقيقةً على التحكُّم بالمقامات
فلسفة (ألبير كامو) العبثيَّة، تبدأُ من لحظة انكشافٍ قاسيةٍ، وهي إدراكُ الإنسانِ أنَّ شغفه بمعنى الحياة لا يُوَاجَه إلَّا بصمتٍ مُبهمٍ من العالم. إنَّها ولادةُ العبث من رحم اللامعقول، في مواجهةٍ قلقةٍ بين الحاجة الإنسانيَّة إلى الإجابة والمعنى، والصَّمت المريب للكون. نحنُ لا نكتفي بالعَيش، بل نطالبُ الحياة بتفسيرٍ، وبغايةٍ، وبعدالةٍ كونيَّةٍ، غير أنَّ الوقائع اليوميَّة، كالمرضِ، والموتِ، والأحداثِ المرتبكةِ، والظُّلمِ والشُّرورِ، تمضي بلا مغزى ولا تبرير. من هذا الاصطدام بين عقلٍ مولعٍ بالنظام
تبدُو العلاقات الشخصيَّة، مهما اشتدَّ عودها، وقويت أواصرها، وكأنَّها تعود غريبةً كما بدأت؛ إذ يظل الإنسانُ عابرًا في حياة الآخرين. من هنا، تبرز مهارة خفيَّة لكنَّها حاسمة: معرفة متى ينبغي الانسحاب؟ ومتى يصبح الفكاكُ ضرورةً لا خيارًا؟ في قلب هذه العلاقات يكمن قلقٌ دفينٌ؛ فنحن لا نعلمُ متى تنكشف اضطرابات النَّفس العميقة، أو تتجلَّى عُقَدها الخفيَّة لدى من نثق بهم. هذا الغموض يجعل الانخراط الإنساني مغامرةً محفوفةً باحتمالات مؤلمة. ومع ذلك، لا مفرَّ من التجربة، فنحن نشتهي القرب ونندفع نحوه، ثمَّ
في لحظاتِ عزلةٍ تخفُّ فيها وطأةُ الصَّخب، ويتراجع ضجيجُ العالم، وتهدأ ثورةُ النَّفس، يتجلَّى الامتنانُ بوصفه معرفةً عميقةً، بأنَّ وراء تفاصيل حياتنا يدًا رحيمةً تدبِّر أمورنا في الخفاء، وتحيط بنا بعلمٍ لا يغيب عنه خفي وَلا جلي. (اللهُ لَطِيفٌ بِعبَادِهِ)؛ لطف يعتني بأدقِّ شؤونهم، ويهتم بما نظنُّه عارضًا أو هامشيًّا. هو الحاضر في كل آنٍ ومكان، المدبِّر بحكمة تتجاوز إدراكنا، السَّاعي إلى استخلاص عبده من تنازع الأغيار. وحين يعيد الإنسان قراءة حياته في ضوء هذا الوعي، تتبدَّل معاني الوقائع؛ فيرى
يميل كثيرُون إلى اختزال الصَّدمة في حدثٍ عنيفٍ ومفاجئٍ: كحادثٍ مروريٍّ فظيعٍ، أو فقدِ شخصٍ عزيزٍ. غير أنَّ التَّركيز على الحدث نفسه كثيرًا ما يحجبُ جوهرَ تجربة الصَّدمة؛ فالمسألةُ لا تتعلَّق بالطارئ فحسب، بل بما يُحدِثه في النَّفس من شرخٍ في الإحساس بالأمان، أو الجدارة، أو الاستحقاق. فالحدثُ يمرُّ في زمنٍ خارجيٍّ قصير، بينما تستقرُّ الصَّدمة كزمنٍ داخليٍّ معلَّقٍ، يظل الشخص عالقًا فيه وقتًا طويلًا. لعلَّ كثيرًا ممَّا نسمِّيه اليوم «اضطرابات نفسيّة»، أو «سلوكيَّات غير سويَّة»، أو «اضطرابات
في زمنٍ يُدفع فيه المؤمن إلى الاختيار المُربك بين «التديُّن» و»التَّفكير»، رأى (ابنُ رشد) بوضوحٍ أنَّ العقل الصَّريح، والنقل الصَّحيح طريقان يؤدِّيان إلى حقيقةٍ واحدةٍ، وأنَّهما لا يتواجهَان في ساحةٍ تُشجِّع الصِّراع بين الشكِّ والإيمانِ. فالعلاقةُ بين العقل والنقل في رُؤيته، علاقةُ تكاملٍ بين مصدرَين للمعرفة: الوحي من جهةٍ، والعقل من جهةٍ أُخْرى؛ فاللهُ -سبحانَهُ وتعَالَى- في نظرهِ، هو مصدرُ الحقيقة كلها، ولذلك لا يمكنُ أنْ يتناقضَ ما يَثبُت بالعقل «الصَّحيح»، مع ما يرد في النصِّ الدينيِّ
عمر نوح فلَّاتة (المعروف بعمر كدَرس)، أحد الأعمدة المُؤسِّسة لثقافة الأغنية السعوديَّة الحديثة، رغم أنَّ اسمه لا يُتدَاول جماهيريًّا؛ بالقدر الذي تتردَّد فيه أسماء مَن صدحُوا بألحانه المميَّزة. وُلِد في المدينة المنوَّرة (عام 1933)، ونشأ بحسٍّ موسيقيٍّ مبكِّر، فأولع بالعودِ والكَمانِ، وراح يدندنُ بأعمال كبار المطربِينَ -آنذاك-، مثل سيِّد درويش، ومحمد عبدالوهاب، والسنباطي، وأم كلثوم. وقد مهَّد له هذا الشَّغف، مقرونًا بموهبته الفذَّة، الالتحاق بالفرقة الموسيقيَّة لإذاعة جدَّة، حيث تولَّى لاحقًا
ينشأ النظام الإداري الفاشل حين تفقد الإدارة التنفيذية وظيفتها الأساسية؛ الهادفة إلى تحقيق الإنجازات المتوقعة منها؛ بأفضل توظيف للموارد المتاحة والفرص الجديدة؛ فتصبح – بسبب القصور الفاضح لدى القائمين عليها – عبئًا يُبدِّد الجهد والوقت، ويُعطِّل إمكانات الموظفين، ويشل وظائف الأقسام التابعة لها. إن الفشل الإداري في هذا السياق ليس مجرد أخطاء فردية عابرة، بل حالة مستقرة مزمنة في جوهر العمل الإداري؛ لأنه يرتبط بطريقة التفكير المضطربة، وآليات اتخاذ القرار السيئة، والثقافة الفاسدة للعمل برمته. أولى
قوة الاستغناء لا تعني أن تنكر رغباتك، بل أن تريد لكن دون أن تُستَعبد، وأن تسعى لكن دون أن تربط قيمتك بالنتيجة. في هذا التوازن تنشأ راحة داخلية، لأنك صرت تعتمد على نظرتك الهادئة لنفسك، وعلى قدرتك على تقبُّل ما يحدث دون أن تنكسر. تلتقي هذه الرؤية مع الفلسفة الرواقية؛ فالأحداث الخارجية متقلِّبة، أما الداخل فمجال الحرية والثبات. وقد لخص الفيلسوف الرواقي (سينيكا) ذلك بقوله: «ليس الغني من يملك الكثير، بل من يحتاج إلى القليل». فكلما خفَّ تعلّقك، اتّسعت حريتك. إن الميل المفرط إلى الاجتماعية والاختلاط
النوم.. إنه «موتةٌ صغرى» تمنحنا استراحةً مؤقّتةً مِن ثِقلِ الوعي، وتدريبٌ يومي على الغياب، على تلاشي الآمالِ والأوهامِ والآلامِ معًا، والغوصِ في عالمٍ لا يعدو كونه صورًا وخيالات، بعيدًا عن واقعٍ يزدادُ قسوةً والتباسًا. النوم آيةٌ عظمى، ونِعمةٌ كبرى؛ لولاه لانتحرَ كثيرون من وطأةِ اليقظة. وحتى لو كان النوم هروبًا مؤقتًا مِن الواقع، فما المشكلة؟ أليست هذه إحدى وظائفه الأساسية؟ لا تخجل من حاجتكَ إلى الانسحابِ المؤقّت؛ فالنفس، كالجسد، تحتاج إلى انطفاء لتُرمّم نفسها وتضبِط مزاجها، وهذا الانطفاء يعيد
يعيش الإنسان المعاصر في عصر مضطرب شديد التَّسارع، عصر التشتًّت والفراغ الرُّوحي، محاولًا ملء خوائه الداخليِّ بأشياءٍ متشابهة؛ لا يُميِّز بينها وضوح أو ذوق، فيغرق في دوَّامة الملل، ولا يزداد إلَّا تعبًا ويأسًا. يرى (فيكتور فرانكل) -مؤلِّف كتاب «الإنسان والبحث عن المعنى»- أنَّ رواج كتابه الواسع ليس مدحًا لإنجاز فكريٍّ بالضَّرورة، بقدر ما هو صورة لبؤس هذا العصر الذي فَقَدَ بوصلته الرُّوحيَّة. لذلك أظنُّ أنَّ السؤال الأصح ليس هو: ما معنى الحياة؟ بل: ما الذي تطلبه الحياة مني في هذه اللَّحظة وحالتي
أسوأُ ما في الأوغادِ في بيئَةِ العملِ، أنَّهُم يَبدونَ، للوهلةِ الأولى، زملاءَ «لُطَفاءَ»! إنَّهم يبرعُونَ في ارتداءِ الابتسامةِ الإداريَّةِ الرسميَّةِ بوصفِها قناعًا ضروريًّا من جملةِ الأقنعةِ التي يستعمِلُونَها، ويتحدَّثُونَ عن روحِ الفريقِ، ويكتبُونَ عباراتٍ مهنيَّةً تبدُو أخلاقيَّةً ومحفِّزةً، بينما يتسلَّقُونً على أكتافِ الآخرينَ للصُّعودِ درَجةً أعلى، ويتملُّقونَ مَن يمكنُهُ جرُّهم إلى أعلى السلَّمِ الوظيفيِّ، بغضِّ النظرِ عن استِحقاقِهم. الوغدُ الوظيفيُّ لا يُتعِبُ نفسَهُ في الإنجازِ، بل
- من الحكمة تعلُّم فنونِ التخلِّي، وعدمِ التعلُّق، فالحفاظ على كينونتك، وضبط مشاعرك ورغباتك، لا يعتمد على امتلاك الأشياء. الأشياء ليست شرطًا للتكامل الذاتيِّ، ولا للطمأنينة النفسيَّة، فقْدُها لا يعني فَقْد نفسك. - قد تظنُّ أنَّك تعرفُ النَّاس من حولك، وخاصَّةً الأصدقاء، لكنَّ البشر أعماق متغيِّرة، لا يثبتُون على حال. تقبَّل هذه الحقيقة، وتأقلم معها، فإن لم تفعل الآن، ستُدركها بعد تجربة قاسية. وإنَّ من أفضل ما تتعلَّمه، أنْ تجلس هادئًا في وسط فوضى العقل، وضجيج الأفكار، وتسارع الأحداث، وابتذال
تبدو اللامبالاة مهارةً يُساء فهمها أحيانًا. فكثيرون يرونها برودًا أخلاقيًّا، أو هروبًا من المسؤوليَّة، بينما هي في واقعها انضباطٌ في توزيع الطاقة النفسيَّة. ولعل أكثر ما يُرهق الإنسان المعاصر، إحساسه الخفيُّ بأنَّه مسؤولٌ عن كل شيء: عن نجاحه، وفشله، وصورة العالم عنه، وحتى عن مزاج الآخرين. الفلسفة الرواقيَّة تعلِّمنا دقَّة الإحساس، مع وزن الأمور والأحداث، فهناك أمور تقع داخل دائرة قدرتنا وتحكمنا، وأُخرى خارجها تمامًا. الأولى تستحق الجهد، والثانية تستحق ابتسامة ساخرة، وربما كوب قهوة!. هنا يأتي فن