منتدى
هل الشرح خلل في كتابة الرواية؟
تاريخ النشر: 23 أغسطس 2026 11:23 KSA
بعد نشري لروايتي الأولى «رصاصة هزّت القرية» في يونيو 2026، شعرت أن التجربة لم تكن مجرد كتابة رواية والسلام، بل كانت محطة مهمة في تجربتي السردية، يتعين عليّ، وعلى أمثالي من الكتّاب، أن نجعل منها ملتقى طرق نحو مراجعة هادئة مع أنفسنا ومع الآخرين، من خلال الإصغاء إلى رؤاهم، مهما اختلفت. ومن هنا فهمت أن ثمة إشكالية عامة...
نعم هناك إشكالية بنيوية في كتابة الرواية -وبالمناسبة فأنا هنا أطرح رؤية عامة لا علاقة لها بروايتي- إشكالية قد لا يفطن إليها الكاتب/المؤلف، لكنها تبدو واضحة للنقاد، ولعدد من القراء المتمرسين، منذ القراءة الأولى. تلكم هي الشرح والتلقين.
فالكاتب الذي يشرح للقارئ، ويلقنه الأحكام والنصائح، وهو يكتب الرواية، لا ينقل طبيعة حياة شخصياته بقدر ما يقدم رؤيته هو؛ فيشرح صفاتهم وسماتهم، ويضعها أمام القارئ في قالب جاهز، بدل أن يترك له فرصة اكتشافها من خلال الأحداث والمواقف. والقارئ عمومًا والمتمرس خصوصًا لا يحتاج إلى أن تملى عليه المعاني والحكم بشكل مباشر من فم المؤلف.
ولذلك، فالرواية الناضجة أو لنقل الناجحة هي من تتيح للقارئ أن يكتشف بنفسه صفات الشخصيات وسماتها من خلال أفعالها، واختياراتها، وطريقة حديثها، وعلاقتها بالآخرين، وكلّ قارئ يتلقى هذه التفاصيل وفق تجربته وتأويله. أما حين يتولى الراوي تفسير كل شيء، فإنه يسلب القارئ جزءًا من متعة الاكتشاف، ويضيّق مساحة التأويل.
الفرق دقيق، لكنه حاسم.
ولهذا قد تمر جملة (حكمة مثلًا) داخل رواية عظيمة دون أن تبدو وعظية، لأنها خرجت طبيعيًا من التجربة ومن وعي الشخصية، لا من فم المؤلف، فإذا قال شيخ متعب داخل الرواية، بعد خسارة طويلة: 'الدنيا لا تؤتمن'، فالجملة هنا مقبولة لأنها جزءًا حيًا من شخصيته ومن تاريخها النفسي، أما إذا توقفت الرواية فجأة لتقول: 'وهكذا نتعلم أن الطمع يقود إلى الهلاك' فإن صوت المؤلف يعلو هنا فوق صوت العالم الروائي، ويتحول السرد إلى شرح مباشر.
لكن مهلًا.... فحتى كبار الروائيين، من ألبير كامو إلى نجيب محفوظ، لم تكن أعمالهم خالية من الأفكار والتأملات والمواقف الأخلاقية، لكن قوتهم أنهم كانوا يذيبون الفكرة داخل الدراما، فلا يشعر القارئ أنه يتلقى شيئا يشبه الدرس المدرسي.
وفي الرواية العربية تحديدًا، يُتَّهم أحيانًا أي نفس تأملي بأنه وعظي، وهذا غير دقيق. فالرواية ليست مطالبة بأن تكون باردة أو محايدة أو خالية من الموقف. الحكمة ليست مشكلة، والتأمل ليس خطيئة، وحتى الموقف الأخلاقي ليس عيبًا في ذاته، لكن وفق ما قلت أعلاه، وهذا مجرد رأي.
نعم هناك إشكالية بنيوية في كتابة الرواية -وبالمناسبة فأنا هنا أطرح رؤية عامة لا علاقة لها بروايتي- إشكالية قد لا يفطن إليها الكاتب/المؤلف، لكنها تبدو واضحة للنقاد، ولعدد من القراء المتمرسين، منذ القراءة الأولى. تلكم هي الشرح والتلقين.
فالكاتب الذي يشرح للقارئ، ويلقنه الأحكام والنصائح، وهو يكتب الرواية، لا ينقل طبيعة حياة شخصياته بقدر ما يقدم رؤيته هو؛ فيشرح صفاتهم وسماتهم، ويضعها أمام القارئ في قالب جاهز، بدل أن يترك له فرصة اكتشافها من خلال الأحداث والمواقف. والقارئ عمومًا والمتمرس خصوصًا لا يحتاج إلى أن تملى عليه المعاني والحكم بشكل مباشر من فم المؤلف.
ولذلك، فالرواية الناضجة أو لنقل الناجحة هي من تتيح للقارئ أن يكتشف بنفسه صفات الشخصيات وسماتها من خلال أفعالها، واختياراتها، وطريقة حديثها، وعلاقتها بالآخرين، وكلّ قارئ يتلقى هذه التفاصيل وفق تجربته وتأويله. أما حين يتولى الراوي تفسير كل شيء، فإنه يسلب القارئ جزءًا من متعة الاكتشاف، ويضيّق مساحة التأويل.
الفرق دقيق، لكنه حاسم.
ولهذا قد تمر جملة (حكمة مثلًا) داخل رواية عظيمة دون أن تبدو وعظية، لأنها خرجت طبيعيًا من التجربة ومن وعي الشخصية، لا من فم المؤلف، فإذا قال شيخ متعب داخل الرواية، بعد خسارة طويلة: 'الدنيا لا تؤتمن'، فالجملة هنا مقبولة لأنها جزءًا حيًا من شخصيته ومن تاريخها النفسي، أما إذا توقفت الرواية فجأة لتقول: 'وهكذا نتعلم أن الطمع يقود إلى الهلاك' فإن صوت المؤلف يعلو هنا فوق صوت العالم الروائي، ويتحول السرد إلى شرح مباشر.
لكن مهلًا.... فحتى كبار الروائيين، من ألبير كامو إلى نجيب محفوظ، لم تكن أعمالهم خالية من الأفكار والتأملات والمواقف الأخلاقية، لكن قوتهم أنهم كانوا يذيبون الفكرة داخل الدراما، فلا يشعر القارئ أنه يتلقى شيئا يشبه الدرس المدرسي.
وفي الرواية العربية تحديدًا، يُتَّهم أحيانًا أي نفس تأملي بأنه وعظي، وهذا غير دقيق. فالرواية ليست مطالبة بأن تكون باردة أو محايدة أو خالية من الموقف. الحكمة ليست مشكلة، والتأمل ليس خطيئة، وحتى الموقف الأخلاقي ليس عيبًا في ذاته، لكن وفق ما قلت أعلاه، وهذا مجرد رأي.