منتدى

حين تعود المدارس.. يعود البيت

حين تعود المدارس.. يعود البيت
ثمَّة عودة أخرى تحدثُ مع نهاية الصَّيف لا تكتبها التقويمات المدرسيَّة، ولا تعلن عنها رسائل المدارس وهي عودة البيت إلى أصله.
فمع اقتراب صباح الدراسة الأوَّل، تبدأ الفوضى الصيفيَّة الجميلة بالانحسار قليلًا. تنام البيوتُ أبكر، ثمَّ تستيقظ أبكر، تظهر الحقائب عند الأبواب، فتمتلئ الأدراج بالدفاتر والأقلام، ونبدأ بسماع السؤال القديم الجديد في الممرَّات يا فلان، هل جهزت أغراضك للغد؟

نحسبُ أنَّ أبناءنا هم الذين يستعدُّون للعودة إلى مدارسهم فقط، لكنَّنا من حيث لا نشعر نستعدُّ نحن -أيضًا- للعودة إليهم.
لقد صنعت الحياةُ الحديثة مفارقتها العجيبة السَّاخرة، فمنحتنا قدرةً هائلةً على الوصول إلى البعيد، ثمَّ جعلت الوصول إلى القريب أكثر صعوبةً، فلقد أصبح في وسع الإنسان أنْ يعرف في لحظة ماذا يحدث في أقصى الأرض، لكنَّه قد لا يعرف ماذا حدث لابنه في الغرفة المجاورة.

نجلسُ أحيانًا تحت سقف واحد، وكلٌّ منَّا يحمل نافذته الصَّغيرة إلى عالم آخر. تتقارب الأجسادُ، وتتباعد الحكاياتُ حتى أصبحت مائدة الطعام في بعض البيوت موعدًا استثنائيًّا بعدما كانت أكثر مواعيد اليوم اعتيادًا.
وهنا تأتي المدرسة على غير ما نظنُّ لا لتنتظم الفصول وحدها، بل لينتظم شيءٌ من الحياة حولها.
يصبح للنَّوم موعد، وللصباح طقسه، وللمساء معنى مختلف. يعود الأبناء في ساعة نعرفها، ويصبح هناك وقت للسؤال عن يومهم، عن المعلِّم الذي أحبُّوه، الصديق الذي اختلفُوا معه، الاختبار الذي يقلقهم، الحلم الذي بدأ يتسلَّل بهدوء إلى رؤوسهم.
ولعلَّ أجمل ما تمنحه الأسرة لأبنائها ليس أنْ تعرف تحصيلهم دائمًا، بل أنْ تعرف حكاياتهم وتفاصيلها.
حتى الاستعداد للمدرسة الذي نتعامل معه أحيانًا كفاتورة أُخْرى من فواتير أغسطس الحارَّة، يمكن أنْ يكون جزءًا من هذه الحكاية. رحلة البحث عن حقيبة اختيار دفتر الاختلاف حول حذاء الضَّحك على شيء لم يكن في الخطَّة، ثمَّ العودة بأكياس أكثر ممَّا كان مقرَّرًا. كلها تفاصيل عاديَّة جدًّا لكنَّها من ذلك النوع الغريب من التفاصيل التي لا نعرف قيمتها، إلَّا بعدما تمضي.
فالطفولة لا تحفظ دائمًا الأحداث الكبرى. أحيانًا تحفظ يدًا أمسكت بيدٍ صغيرةٍ في متجر مزدحم بضحكةٍ في السيَّارة، بإفطارٍ سريعٍ في صباح مدرسة، وأبٍّ ينتظر عند الباب، وأمٍّ تسأل كل مساء السؤال نفسه، وكأنَّه للمرَّة الأولى.
واللَّافت أنَّ العلم بلغته الباردة يقترب هنا من شيء عرفته البيوت قديمًا بفطرتها. فقد ربطت دراسات ومراجعات علميَّة بين تكرار الوجبات العائليَّة وبين مؤشرات أفضل للرفاه النفسيِّ، والتواصل لدى الأطفال والمراهقين، كما وجدت دراسات طويلة ارتباطًا بين انتظام الرُّوتين الأسري كالنَّوم، والوجبات المشتركة، وبين عادات صحيَّة، ورفاه أفضل لاحقًا. وليس في ذلك وصفة سحريَّة بالطبع فالأسرة لا تصبح أكثر محبَّةً؛ لأنَّها ضبطت المنبِّه عند السادسة. لكن انتظام الحياة يمنحها شيئًا أثمن مواعيد متكررة كي يلتقي أفرادها.
ومن اللقاء تبدأ الألفة، ومن الألفة يأتي الحديث، ومن الحديث نعرف أبناءنا قبل أنْ تكبر أسئلتهم بعيدًا عنا.
لذلك ربما لا ينبغي أنْ نستقبل نهاية الإجازة باعتبارها خسارةً كاملةً، لذلك الكسل الماتع، ولا أنْ نحمِّل أبناءنا قلق البداية قبل أنْ تبدأ. يمكن أنْ نجعل هذه الأيام موسمًا عائليًّا جميلًا، نشتري حاجاتهم معهم لا عنهم، ونرتِّب غرفهم معهم، ونسألهم عمَّا ينتظرونه، وما يخشونه، ونتحدَّث عن عامهم المقبل بوصفه عامًا من أعمارهم، لا فصلًا دراسيًّا من درجاتهم.
فالدرجات ستأتي وتذهب، والحقائب ستبلى، والدفاتر ستمتلئ، ثمَّ تُرمى، وسيكبر الأطفال أسرع بكثير ممَّا نتصوَّر. وسيأتي صباح مهما بدا بعيدًا الآن، لن تكون فيه حقيبة عند الباب، ولا طفل نوقظه متذمِّرًا، ولا أحد يسأل أين حذاؤه قبل دقائق من الخروج. وعندها ربما سنشتاق على نحو لم نتوقَّعه إلى تلك الفوضى التي كنَّا نتمنَّى أنْ تنتهي.
لهذا حين تفتح المدارس أبوابها هذا العام، فلننظر إلى الأمر بطريقة أخرى.. أبناؤنا يعودُون إلى مقاعد الدراسة، نعم.. لكن لعلَّ الأجمل أنْ نعودَ نحنُ معهم في الطَّريق.. نعود بعضنا إلى بعضٍ.

أخبار ذات صلة

السفر.. ضرورة أم ترف؟
السفر.. ضرورة أم ترف؟
بعض الناس مثل المرايا
هل الشرح خلل في كتابة الرواية؟
هل الشرح خلل في كتابة الرواية؟
شمولية الطرح ورؤية المستقبل
شمولية الطرح ورؤية المستقبل
;
مجالس المناطق.. شراكة في التنمية وصوت للمواطن
مجالس المناطق.. شراكة في التنمية وصوت للمواطن
حين يكون الله خصم الظالم
حين يكون الله خصم الظالم
العمر لا يقاس بعدد الشموع.. بل بعدد الأحلام
العمر لا يقاس بعدد الشموع.. بل بعدد الأحلام
المملكة.. ثبات يتجاوز المحن
المملكة.. ثبات يتجاوز المحن
;
جنود الوطن.. سواعد لا تنام وعيون لا تغفل
جنود الوطن.. سواعد لا تنام وعيون لا تغفل
الجهل بخطورة الأدوية
الجهل بخطورة الأدوية
بالعزيمة والجد.. نبدأ عامنا الدراسي الجديد
بالعزيمة والجد.. نبدأ عامنا الدراسي الجديد
بين راحة مؤقتة.. وسكينة دائمة
بين راحة مؤقتة.. وسكينة دائمة
;
حين يتحول "الزي" إلى علامة طبقية
حين يتحول "الزي" إلى علامة طبقية
بداية جديدة نحو عام دراسي حافل بالنجاح
بداية جديدة نحو عام دراسي حافل بالنجاح
الصفات الأشدُّ حِدَّة
الصفات الأشدُّ حِدَّة
طريق ينبع - جدة.. إنارة الطريق مطلب للسلامة والتنمية
طريق ينبع - جدة.. إنارة الطريق مطلب للسلامة والتنمية