كتاب
الحوثي يختبر حدود الصبر السعودي
تاريخ النشر: 09 سبتمبر 2026 13:34 KSA
منذ هدنة عام 2022، اختارت السعوديَّة طريقًا واضحًا في الملفِّ اليمنيِّ: خفض التصعيد، ودعم المسار السياسيِّ، وتشجيع الحوار اليمنيِّ - اليمنيِّ، والعمل على تحويل سنوات الحرب الطويلة إلى تسوية تحفظ أمن المملكة، واستقرار اليمن ووحدة أراضيه. ولم يكن هذا الخيارُ تعبيرًا عن عجز عن المواجهة، بل عن قناعةٍ بأنَّ الحل العسكريَّ وحده لن ينهي أزمةً مركَّبةً امتدَّت لأكثر من عقد.
غير أنَّ الحوثي يبدو اليوم، وكأنَّه يقرأ ضبط النَّفس السُّعودي قراءةً خاطئةً.
فالتطوراتُ الأخيرةُ تجاوزت حدود المواجهات داخل اليمن. استهدفت الصواريخ والطَّائرات المسيَّرة أبها، وخميس مشيط، وجازان، ونجران، وطالت منشآت مدنيَّة واقتصاديَّة، وأوقعت عشرات الإصابات بين المدنيِّين. كما استمرَّ استهداف السفن التجاريَّة وتهديد الملاحة في البحر الأحمر. وهنا لم تعد القضيَّة مجرَّد فصل جديد من الحرب اليمنيَّة، بل أصبحت اعتداءً مباشرًا على الأراضي السعوديَّة، وسيادتها، وأمن مواطنيها، ومقدَّراتها الوطنيَّة.
والأخطرُ أنَّ هذا التصعيد يأتي في لحظة إقليميَّة بالغة الحساسيَّة، مع اضطراب الملاحة والطاقة، واتِّساع المواجهة الأمريكيَّة-الإيرانيَّة. وفي الوقت الذي ازدادت فيه أهميَّة البحر الأحمر، وباب المندب، بوصفهما ممرًّا بديلًا وحيويًّا للطاقة والتجارة العالميَّة، يسعى الحوثي إلى نقل الضغط إلى هذه المنطقة، بما يرفع تكلفة الصراع على السعوديَّة، وعلى الاقتصاد العالميِّ في آن واحد.
وعلى مدى السنوات الماضية، منحت السعودية الحل السياسي فرصًا متعدِّدة، وتعاملت مع التهدئة باعتبارها استثمارًا في أمن اليمن والمنطقة، لا مجرَّد هدنة مؤقتة. وكان الرهان أنْ يدرك الحوثي أنَّ بقاءه مكوِّنًا يمنيًّا لا يمكن أنْ يتحقق عبر فرض إرادته بالسلاح على بقية اليمنيِّين، وأنَّ مستقبله السياسي يمرُّ عبر التسوية لا الصواريخ والمسيَّرات.
لكن السلوك الأخير يشير إلى حسابات مختلفة. فالهجوم على المدن والمنشآت السعوديَّة، بالتوازي مع محاولة التوسُّع ميدانيًّا في اليمن، والضغط على الساحل الغربي، وتهديد الملاحة، يعني أنَّ الحوثي يحاول الجمع بين ثلاثة مستويات من الضغط: الداخل اليمني، والأراضي السعوديَّة، والبحر الأحمر.
وهذه معادلة لا تستطيع الرِّياض تجاهلها طويلًا. فالتهديد الذي كان يمكن التعامل معه باعتباره جزءًا من النزاع اليمنيِّ أصبح يمسُّ الأمن القوميَّ السعوديَّ مباشرةً. والفرق كبير بين دعم الحكومة اليمنيَّة في مواجهة جماعة مسلَّحة، وبين تعرُّض أراضي المملكة، ومدنها، ومنشآتها الحيويَّة لهجمات متكرِّرة.
وقد كان الموقفُ السعوديُّ واضحًا في التأكيد على حق المملكة المشروع في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن سيادتها وصون مقدَّراتها الوطنيَّة، وحماية المواطنين والمقيمين. كما أكَّدت قيادة القوات المشتركة للتحالف اتِّخاذ الإجراءات العملياتيّة اللازمة لردع الحوثي ومواجهة اعتداءاته.
وهذه اللُّغة تشير -في تقديري- إلى أنَّ مرحلة جديدة بدأت، لكنها لا تعني بالضرورة العودة إلى نموذج الحرب الواسعة، الذي بدأ عام 2015. فالسعودية اليوم مختلفة، والمنطقة مختلفة، والظروف العسكريَّة والسياسيَّة مختلفة أيضًا. وخبرة السنوات الماضية تجعل القرار السعودي أكثر انتقائيَّة في اختيار الأدوات والأهداف والتوقيت. والهدف ليس العودة إلى حرب مفتوحة، وإنَّما إعادة بناء معادلة الردع.
أمام السعودية مجموعة من الخيارات المتدرِّجة، تبدأ بتعزيز الدفاعات الجويَّة والصاروخيَّة، وحماية المنشآت الحيويَّة والمطارات والمدن الجنوبيَّة، ورفع مستوى المراقبة والاستخبارات والاستطلاع على الحدود، وفي البحر الأحمر.
ويأتي بعد ذلك دعم القوات الحكوميَّة اليمنيَّة بصورة أكبر، بحيث يتحمَّل اليمنيون أنفسهم مسؤوليَّة استعادة دولتهم ومؤسساتهم. وهذا الخيار يتناسب مع السياسة السعوديَّة التي تؤكِّد أنَّ الأزمة يمنيَّة، وأنَّ الحل المستدام يجب أنْ يكون يمنيًّا. وكلما اضطر الحوثي إلى توزيع قواته على جبهات متعدِّدة، تراجعت قدرته على تركيز القوة في محور واحد، أو استخدام فائض قوته العسكريَّة لتهديد الجوار.
ويبقى خيار العمل العسكري المباشر والمحدَّد، ضد مصادر النيران، ومنصات إطلاق الصواريخ والمسيَّرات، ومخازن الأسلحة، ومراكز القيادة والسيطرة قائمًا إذا استمرَّت الاعتداءات على الأراضي السعوديَّة. وهنا ينبغي التمييز بين حرب شاملة وبين عمليات ردع محسوبة. فمن حق أيِّ دولة تتعرَّض أراضيها ومدنها ومنشآتها للهجوم أنْ تعمل على إزالة مصدر التهديد وفق أحكام القانون الدوليِّ.
وتبقى جبهة الساحل الغربي الأكثر حساسية إستراتيجيًّا. فالمعركة حول تعز والساحل ليست مجرَّد نزاع على مديريات يمنيَّة. وأي تمدد يمنح الحوثي قدرة أكبر على التأثير في باب المندب سيضاعف الخطر على السعوديَّة، وعلى حركة التجارة الدوليَّة.
وتزداد أهميَّة ذلك في ظل اضطراب مضيق هرمز. فالسعوديَّة بنت عبر عقود قدرة إستراتيجيَّة على نقل جانب كبير من صادراتها النفطيَّة من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر، بما يوفِّر بديلًا مهمًّا عند تعطل الملاحة في الخليج. ومن هنا فإنَّ تهديد البحر الأحمر في الوقت نفسه الذي يتعرَّض فيه هرمز للاضطراب يضع أمن الطاقة السعوديِّ والعالميِّ أمام تحدٍّ مزدوج. ولذلك فإنَّ منع الحوثي من توسيع قدرته على تهديد باب المندب ليس مصلحة يمنيَّة أو سعودَيَّة فقط، بل مصلحة دوليَّة.
ومع ذلك، لا أعتقد أنَّ السعودية ستتخلَّى عن خيار التسوية السياسيَّة. فالرياض تدرك أكثر من غيرها كلفة الحرب، وتعرف أنَّ الإنجازات العسكريَّة مهما بلغت لا تعفي اليمنيِّين من الجلوس في النهاية إلى طاولة سياسيَّة. لكن الدبلوماسيَّة لا تنجح من دون توازن وردع.
فإذا اعتقد الحوثي أنَّ حرص السعودية على السَّلام يمنحه حريَّة مهاجمة مدنها ومنشآتها، فإنَّ استمرار ضبط النفس بالصورة السابقة قد يشجِّعه على مزيد من التصعيد. ولذلك ربما تكون المرحلة المقبلة مزيجًا من الضغط العسكريِّ والسياسيِّ والاقتصاديِّ، مع إبقاء باب التسوية مفتوحًا.
المعادلة السعوديَّة المتوقَّعة، إذن، ليست الاختيار بين الحرب والسَّلام، بل الجمع بين الردع والتفاوض: الرد على الاعتداء، ودعم الحكومة اليمنيَّة، وحماية الملاحة والمنشآت الحيويَّة، وفي الوقت نفسه عدم إغلاق الطريق أمام حل سياسيٍّ شامل.
لقد منحت السعودية السلام وقتًا طويلًا، وفرصًا كثيرة، وليس من مصلحتها العودة إلى حرب استنزاف جديدة. لكن السَّلام لا يعني قبول الاعتداء، وضبط النفس لا يعني التنازل عن حق الدفاع.
الحوثي اليوم أمام خيار ينبغي أنْ يكون واضحًا: إمّا أنْ يعود إلى مسار التسوية بوصفه طرفًا يمنيًّا، أو أنْ يتحمَّل نتائج تحوُّله مجددًا إلى مصدر تهديد مباشر للسعوديَّة والمنطقة. أمَّا الرياض، فأمامها معادلة دقيقة: أنْ تبقي يدها ممدودة للسَّلام، وأنْ تبقى اليد الأخرى قادرة على حماية أمنها وسيادتها ومقدَّراتها.
غير أنَّ الحوثي يبدو اليوم، وكأنَّه يقرأ ضبط النَّفس السُّعودي قراءةً خاطئةً.
فالتطوراتُ الأخيرةُ تجاوزت حدود المواجهات داخل اليمن. استهدفت الصواريخ والطَّائرات المسيَّرة أبها، وخميس مشيط، وجازان، ونجران، وطالت منشآت مدنيَّة واقتصاديَّة، وأوقعت عشرات الإصابات بين المدنيِّين. كما استمرَّ استهداف السفن التجاريَّة وتهديد الملاحة في البحر الأحمر. وهنا لم تعد القضيَّة مجرَّد فصل جديد من الحرب اليمنيَّة، بل أصبحت اعتداءً مباشرًا على الأراضي السعوديَّة، وسيادتها، وأمن مواطنيها، ومقدَّراتها الوطنيَّة.
والأخطرُ أنَّ هذا التصعيد يأتي في لحظة إقليميَّة بالغة الحساسيَّة، مع اضطراب الملاحة والطاقة، واتِّساع المواجهة الأمريكيَّة-الإيرانيَّة. وفي الوقت الذي ازدادت فيه أهميَّة البحر الأحمر، وباب المندب، بوصفهما ممرًّا بديلًا وحيويًّا للطاقة والتجارة العالميَّة، يسعى الحوثي إلى نقل الضغط إلى هذه المنطقة، بما يرفع تكلفة الصراع على السعوديَّة، وعلى الاقتصاد العالميِّ في آن واحد.
وعلى مدى السنوات الماضية، منحت السعودية الحل السياسي فرصًا متعدِّدة، وتعاملت مع التهدئة باعتبارها استثمارًا في أمن اليمن والمنطقة، لا مجرَّد هدنة مؤقتة. وكان الرهان أنْ يدرك الحوثي أنَّ بقاءه مكوِّنًا يمنيًّا لا يمكن أنْ يتحقق عبر فرض إرادته بالسلاح على بقية اليمنيِّين، وأنَّ مستقبله السياسي يمرُّ عبر التسوية لا الصواريخ والمسيَّرات.
لكن السلوك الأخير يشير إلى حسابات مختلفة. فالهجوم على المدن والمنشآت السعوديَّة، بالتوازي مع محاولة التوسُّع ميدانيًّا في اليمن، والضغط على الساحل الغربي، وتهديد الملاحة، يعني أنَّ الحوثي يحاول الجمع بين ثلاثة مستويات من الضغط: الداخل اليمني، والأراضي السعوديَّة، والبحر الأحمر.
وهذه معادلة لا تستطيع الرِّياض تجاهلها طويلًا. فالتهديد الذي كان يمكن التعامل معه باعتباره جزءًا من النزاع اليمنيِّ أصبح يمسُّ الأمن القوميَّ السعوديَّ مباشرةً. والفرق كبير بين دعم الحكومة اليمنيَّة في مواجهة جماعة مسلَّحة، وبين تعرُّض أراضي المملكة، ومدنها، ومنشآتها الحيويَّة لهجمات متكرِّرة.
وقد كان الموقفُ السعوديُّ واضحًا في التأكيد على حق المملكة المشروع في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن سيادتها وصون مقدَّراتها الوطنيَّة، وحماية المواطنين والمقيمين. كما أكَّدت قيادة القوات المشتركة للتحالف اتِّخاذ الإجراءات العملياتيّة اللازمة لردع الحوثي ومواجهة اعتداءاته.
وهذه اللُّغة تشير -في تقديري- إلى أنَّ مرحلة جديدة بدأت، لكنها لا تعني بالضرورة العودة إلى نموذج الحرب الواسعة، الذي بدأ عام 2015. فالسعودية اليوم مختلفة، والمنطقة مختلفة، والظروف العسكريَّة والسياسيَّة مختلفة أيضًا. وخبرة السنوات الماضية تجعل القرار السعودي أكثر انتقائيَّة في اختيار الأدوات والأهداف والتوقيت. والهدف ليس العودة إلى حرب مفتوحة، وإنَّما إعادة بناء معادلة الردع.
أمام السعودية مجموعة من الخيارات المتدرِّجة، تبدأ بتعزيز الدفاعات الجويَّة والصاروخيَّة، وحماية المنشآت الحيويَّة والمطارات والمدن الجنوبيَّة، ورفع مستوى المراقبة والاستخبارات والاستطلاع على الحدود، وفي البحر الأحمر.
ويأتي بعد ذلك دعم القوات الحكوميَّة اليمنيَّة بصورة أكبر، بحيث يتحمَّل اليمنيون أنفسهم مسؤوليَّة استعادة دولتهم ومؤسساتهم. وهذا الخيار يتناسب مع السياسة السعوديَّة التي تؤكِّد أنَّ الأزمة يمنيَّة، وأنَّ الحل المستدام يجب أنْ يكون يمنيًّا. وكلما اضطر الحوثي إلى توزيع قواته على جبهات متعدِّدة، تراجعت قدرته على تركيز القوة في محور واحد، أو استخدام فائض قوته العسكريَّة لتهديد الجوار.
ويبقى خيار العمل العسكري المباشر والمحدَّد، ضد مصادر النيران، ومنصات إطلاق الصواريخ والمسيَّرات، ومخازن الأسلحة، ومراكز القيادة والسيطرة قائمًا إذا استمرَّت الاعتداءات على الأراضي السعوديَّة. وهنا ينبغي التمييز بين حرب شاملة وبين عمليات ردع محسوبة. فمن حق أيِّ دولة تتعرَّض أراضيها ومدنها ومنشآتها للهجوم أنْ تعمل على إزالة مصدر التهديد وفق أحكام القانون الدوليِّ.
وتبقى جبهة الساحل الغربي الأكثر حساسية إستراتيجيًّا. فالمعركة حول تعز والساحل ليست مجرَّد نزاع على مديريات يمنيَّة. وأي تمدد يمنح الحوثي قدرة أكبر على التأثير في باب المندب سيضاعف الخطر على السعوديَّة، وعلى حركة التجارة الدوليَّة.
وتزداد أهميَّة ذلك في ظل اضطراب مضيق هرمز. فالسعوديَّة بنت عبر عقود قدرة إستراتيجيَّة على نقل جانب كبير من صادراتها النفطيَّة من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر، بما يوفِّر بديلًا مهمًّا عند تعطل الملاحة في الخليج. ومن هنا فإنَّ تهديد البحر الأحمر في الوقت نفسه الذي يتعرَّض فيه هرمز للاضطراب يضع أمن الطاقة السعوديِّ والعالميِّ أمام تحدٍّ مزدوج. ولذلك فإنَّ منع الحوثي من توسيع قدرته على تهديد باب المندب ليس مصلحة يمنيَّة أو سعودَيَّة فقط، بل مصلحة دوليَّة.
ومع ذلك، لا أعتقد أنَّ السعودية ستتخلَّى عن خيار التسوية السياسيَّة. فالرياض تدرك أكثر من غيرها كلفة الحرب، وتعرف أنَّ الإنجازات العسكريَّة مهما بلغت لا تعفي اليمنيِّين من الجلوس في النهاية إلى طاولة سياسيَّة. لكن الدبلوماسيَّة لا تنجح من دون توازن وردع.
فإذا اعتقد الحوثي أنَّ حرص السعودية على السَّلام يمنحه حريَّة مهاجمة مدنها ومنشآتها، فإنَّ استمرار ضبط النفس بالصورة السابقة قد يشجِّعه على مزيد من التصعيد. ولذلك ربما تكون المرحلة المقبلة مزيجًا من الضغط العسكريِّ والسياسيِّ والاقتصاديِّ، مع إبقاء باب التسوية مفتوحًا.
المعادلة السعوديَّة المتوقَّعة، إذن، ليست الاختيار بين الحرب والسَّلام، بل الجمع بين الردع والتفاوض: الرد على الاعتداء، ودعم الحكومة اليمنيَّة، وحماية الملاحة والمنشآت الحيويَّة، وفي الوقت نفسه عدم إغلاق الطريق أمام حل سياسيٍّ شامل.
لقد منحت السعودية السلام وقتًا طويلًا، وفرصًا كثيرة، وليس من مصلحتها العودة إلى حرب استنزاف جديدة. لكن السَّلام لا يعني قبول الاعتداء، وضبط النفس لا يعني التنازل عن حق الدفاع.
الحوثي اليوم أمام خيار ينبغي أنْ يكون واضحًا: إمّا أنْ يعود إلى مسار التسوية بوصفه طرفًا يمنيًّا، أو أنْ يتحمَّل نتائج تحوُّله مجددًا إلى مصدر تهديد مباشر للسعوديَّة والمنطقة. أمَّا الرياض، فأمامها معادلة دقيقة: أنْ تبقي يدها ممدودة للسَّلام، وأنْ تبقى اليد الأخرى قادرة على حماية أمنها وسيادتها ومقدَّراتها.