الثقافة المُجتمعية .. دُبي أنموذجاً
تاريخ النشر: 15 أبريل 2012 05:23 KSA
ترتكز الثقافة على الوعي كوسيلة مُثلى للوصول إلى نقلها من كونها – مُصطلحاً نخبوياً – إلى سلوك يتعاطاه رجل الشارع قبل أن يدعو إليه المُثقف ، وهذا لن يتأتى ما لم يكن هناك بُنية تحتية صلبة تنطلق منها أساسيات التعامل الواعي ، ويُفعَّل من خلالها مبدأ الاحترام لكل مُقدرات الإنسان المادية والروحية ، فبهذا الفعل المُزدوج نستطيع أن نخلق نمطاً من الثقافة بمدلولها العملي المُتجذر في سلوكيات التفاعل اليومي ؛ لنحكم بعد ذلك على هذا المُجتمع بأنه واعٍ أم يدَّعي الوعي .
التركيبة النظرية – أعلاه – وجدتُها واقعاً بشكل يُثير للإعجاب في دانة الخليج ( دُبي ) ، والتي رسمت لنفسها آلية ميكانيكية مُحكمة لخط سيرها ترفض اختراقها من الكل – مواطنين وعاملين وسُيِّاح – فالكل مطلوب منه احترام مُقدرات البلد المادية ، والكل يعي تماماً ضرورة المحافظة على نظام البلد الذي تحول – بفعل تطبيق الأنظمة الصارم – إلى ثقافة مُجتمعية تُقدِّرُ ذات الإنسان ومجهوداته في بناء هذا الفعل الإنساني ، فلا مجال للاجتهاد في ظل توافر التنظيم المُحكَم ، ولامناص من العقاب متى ما تجاوز الفرد حدوده .
ولعل سوق الأدلة والشواهد الواقعية – هنا – يُدعِّم الطرح النظري ؛ فبداية من نظافة البلد التي تعكس وعياً فردياً وجمعياً بأن نظافة المرافق العامة لا تقل أهمية عن نظافة الأماكن التي يقطنها الأفراد ، وأن من حق الجميع الاستمتاع بأماكن خالية من المُخلفات والمناظر المُقززة التي تتكاثر في مرافقنا وكأن بيننا وبينها تصفية حسابات ، ولا تمت لنا بأي صلة ، مروراً بفرض التنظيم في المولات والأماكن السياحية على من يرغب في الحصول على سيارة أجرة ؛ فالجميع ينتظم في خط يخضع لأولوية وصولك ، وليس لمن يفرض نفسه بالقوة بل لا يمنع من التشابك بالأيدي مادام أن هذا الأسلوب يُمكنني من أخذ حق ليس لي ، ولا يُوجد عقاب يردعني – كما هو في مولاتنا – ! إضافة إلى عدم السماح لك من قبل سائق التاكسي بزيادة عدد الرُكاب عن أربعة أشخاص مهما كانت المُبررات السخيفة التي عادة ما نسوقها لتمرير ما نُريده ؛ لأن ثقافته الفردية التي اكتسبها من احترامه للأنظمة تمنعه أولاً من ارتكاب هذا التجاوز ، وإن سولت له نفسه سوءاً فالغرامة المادية والحجز على السيارة سيكونان عقاباً رادعاً له ، ولكم أن تتخيلوا الكتل اللحمية في الليموزينات – عندنا – وانتهاءً بعملية ثبات الأسعار – وإن كانت مُرتفعة – إلا أن الجميع سواسية أمامها ، فلا يوجد آفة ما يُسمى هذا سعر سياحي وهذا محلي ، والتي استشرت في أوطان عربية ، وعكست نهماً استغلالياً لكل قادم من الخليج ، في تفرقة ما أنزل الله بها من سلطان .
الجميل في هذه الإمارة الحالمة هو الجمع بين الأصالة والمعاصرة من خلال محافظتها على تُراثها التليد عن طريق إعادة تأهيل المباني القديمة بشكل حافظ على نمطها البنائي ، وإنشاء متاحف لعرض مكونات هذا التراث ، والتعريف بالحقب التاريخية التي مرت بها - وفتحها أمام الزوار برسوم دخول رمزية - حتى وصلت إلى ما هي عليه من تطور مادي وتقني مُذهِلَين جعلا منها مركزاً اقتصادياً آمناً لأصحاب رؤوس الأموال ، ومقصداً سياحياً ترفيهياً مُريحاً للتخلص من ضغوطات الحياة ، ناهيك عن الانصهار بين الثقافات المُتباينة التي تتكامل في دُبي ، وتتقاطع في غيرها .