مصر بين الديموقراطية و الصدام
تاريخ النشر: 23 يونيو 2012 04:16 KSA
كم بشرتنا المرجعيات السياسية و الفكرية العالمية بأن الديموقراطية هي الحل الأنجع للتداول السلمي للسلطة في الدولة المدنية و أنها الترياق الشافي لحل مشاكل الحكام و المحكومين ، و نسيت تلك المرجعيات أن تشير من بعيد أو قريب إلى أن أهم ما في الديموقراطية كآلية سلمية لنقل السلطة هو تمتع الدولة بالسيادة الوطنية التي تحميها من التدخلات و الأطماع الأجنبية و تمتع الناخب بالحرية الكاملة و الخلو من أشكال الاستبداد السياسي كي يجيء الاختيار حراً نزيهاً يعكس تطلعات الشعب.
مقارنة سريعة بين السلاسة التي انتقلت فيها السلطة في الإنتخابات الرئاسية الفرنسية التي جرت عن قريب و مثيلتها المصرية المتخبطة في أشكال و أنواع العقبات كفيل بأن يقرب الصورة للمعنى أعلاه. فالانتخابات الفرنسية تمت بمشاركة كبيرة و تم الإعلان من قبل الجهات المخولة في سويعات ثم قام على إثرها الطرف الخاسر بإعلان قبوله لفوز الطرف الفائز السيد فرانسوا أولاند الذي تسلم مقاليد الحكم في الموعد المحدد في حفل اتسم بالبساطة النسبية حرصاً على المال العام.
أما في مصر التي تمارس أطراف دولية عدة الضغوط عليها من خلال المجلس العسكري الأعلى الذي استولى على السلطة في مصر بغير وجه حق منذ خلع الرئيس المصري السابق حسني مبارك من المنصب ، فقد قام المجلس العسكري في إجراءات إستباقية بعدد من الخطوات «القانونية» في محاولة لإحباط فوز المرشح الرئاسي الذي يعتبره كثيرٌ من المصريين اختيار الثورة الدكتور محمد مرسي أو على الأقل سلبه سلطات الرئيس ليكون نمراً من ورق ، لا سيما و أن نتائج الانتخابات الأولية دلت على فوزه على منافسه مرشح الثورة المضادة أو الفلول بنسبة تماثل تلك التي فاز بها أولاند المرشح الفرنسي. و على الرغم من أن عملية التصويت قد جرت بشفافية تضاهي قرينتها الفرنسية لكن مسار الأحداث إنحرف عن المسار الطبيعي إذ قام المجلس العسكري الأعلى بإستصدار حكم قضائي استباقي من المحكمة الدستورية العليا في مصر بحل البرلمان المصري بشقيه مجلس الشورى و مجلس الشعب ، و أتبع ذلك بإصدار الإعلان الدستوري المكمل الذي يسلب الرئيس المنتخب الكثير من صلاحياته و يضعها في يد المجلس العسكري الأعلى.
طبقاً للإعلان الدستوري المكمل فإن الرئيس القادم لن يكون الرئيس الأعلى للقوات المسلحة في مصر ، و لن يكون من ضمن صلاحياته حق إعلان الحرب ، كما و لن يكون المشرف على ميزانية القوات المسلحة و لا شأن له في تأمين صفقات السلاح ، كما و أن للمجلس العسكري الأعلى الحق الأوحد في القضايا الأمنية خصوصاً في أوقات الإضطرابات ، كما ستبقى السلطات التشريعية في يد المجلس إلى حين تشكيل البرلمان من جديد. و باختصار شديد فقد نقل الإعلان الدستوري المكمل السلطات من يد المجلس العسكري الأعلى إلى يد المجلس العسكري الأعلى.
إسرائيل تتربص بالإنتخابات الرئاسية المصرية و تطمع أن يصل للحكم من يكون امتداداً لسياسات الماضي ، و تستعد عسكرياً للاحتمالات الأسوأ من وجهة نظرها ، ففي الأسبوع الذي سبق جولة الإعادة الرئاسية المصرية قامت القوات الإسرائيلية بإستنفار 6 كتائب من الإحتياطي الإسرائيلي تحسباً للمخاطر الجديدة القادمة من مصر ، و القصف الصاروخي المفترض إطلاقه من سيناء ، كما وافق الكنيست الإسرائيلي على استنفار 16 كتيبة إضافية من الإحتياطي العسكري الإسرائيلي ، كما أن القوات المصرية قامت بتعزيز قواتها عند الحدود مع إسرائيل.
و الدرس المكتسب هو أن زمن حكم مصر بالحديد و النار قد ولى لغير رجعة ، و أن الثورة المضادة قد خسرت الجولة بل الجولات ، و أنه ليس أضمن لمصر و المنطقة ككل من التسليم بالنتائج الصحيحة لإنتخابات الرئاسة المصرية و إعادة البرلمان لفعاليته فلن تأتي النتائج الجديدة بنسب تشكيل جديدة ، كي تسلم مصر من الإضطرابات و تتجنب ما يبشر به بعض المشنعين من حرب أهلية ماحقة.