الأخضر الإبراهيمي

الأخضر الإبراهيمي
يمكن وصف هذا الدبلوماسي العربي المخضرم بأنه رجل المهمّات الصعبة، وأنه دبلوماسي محنّك، يعتمد الواقعية والصبر والحكمة أساسًا في حل الأزمات، إلى جانب أنه إنسان عاقل وحصيف من الصعب، حتى على الخصم، أن يبغضه. ولا يملك الإنسان وهو ينصت إليه إلاَّ أن يعجب بطريقته وأسلوبه في السرد والنقاش والإقناع. وقد حظيت بشرف الجلوس إليه، والتحدّث معه في أحد مواسم الحج في بدايات الثمانينيات، وكان دائم التردد على بعثة الحج الفلسطينية، وشدّني إليه تواضعه الجم، وخلقه الرفيع، وما يتمتع به من هدوء وحصافة، إلى جانب إلمامه الكبير بكافة جوانب القضية الفلسطينية، وإخلاصه الشديد لكل ما يتعلّق بفلسطين وعدالة قضيتها، وحقوق شعبها. الأخضر الإبراهيمي، عادت الأضواء تسلّط عليه من جديد، وتضعه في قلب الحدث العالمي، عندما عُيّن مؤخرًا مبعوثًا للأمم المتحدة والجامعة العربية للتوسّط في الأزمة السورية خلفًا للمبعوث السابق كوفي عنان، ضمن مهمّة تردد كثيرًا في قبولها، ثم قبلها على مضض، وأعلن وهو يتسلم أعباءها، بأنها مهمّة شاقة، لكنها ليست شبه مستحيلة، وهو ما يعني أن نسبة نجاحها قد تصل في أفضل الأحيان إلى 50%، لكنها تعني أيضًا أن الرجل يعطي وعدًا صادقًا بأنه سيبذل قصارى جهده كي ينجح في تلك المهمّة. وهو إن نجح فلن تكون تلك معجزة على أية حال، لأنه سبق وأن نجح في مهمّات صعبة كثيرة، قد لا ترقى في صعوبتها إلى ما وصل إليه الملف السوري من تعقيد، لكن ينبغي الملاحظة أن المهمّات السابقة كانت تتدرج في صعوبتها، حتى وصلت إلى ذروتها في المهمّة الجديدة. الأخضر الإبراهيمي الذي دشّن مهمته بمحطة القاهرة في وقت وصلت فيه الأزمة السورية إلى حد المأساة بعد أن تحوّلت المدن والقرى السورية إلى مدن أشباح، ولقي أكثر من 5000 شخص غالبيتهم من الأهالي الأبرياء حتفهم في الشهر الماضي فقط، ووصل عدد اللاجئين داخل سوريا وخارجها إلى 3 ملايين لاجئ، وأصبح القتل والدمار والتفجير يجمع في مشاهده الدموية بين عراق (2003- 2006)، ولبنان (1975- 1990). وربما أن هذا الفرق الرئيس بين مهمّة عنان والإبراهيمي، الإبراهيمي تسلّم المهمّة بعد أن وصلت إلى ذروة تعقيدها. لكن بالرغم من كل ذلك، فإن الرجل يدرك أن هنالك نقاط ضعف شديدة يعاني منها الرئيس الأسد في موقفه الراهن، يتمثل أهمها في أنه يبحث عن مخرج مناسب لحفظ ماء الوجه إدراكًا منه، أن الأزمة لابد وأن تنتهي في نهاية المطاف في غير صالحه، وأن التجارب أثبتت في هكذا صراعات، حتمية انتصار إرادة الشعوب. وأعتقد أن الإبراهيمي سيركز على نقطة الضعف تلك، وأنه سيوظف خبرته وحنكته السياسية لتحقيق الانتقال السلمي في سوريا، معتمدًا -إلى جانب ذلك- على رصيد الاحترام البالغ الذي يحظى به من قِبل كافة الأطراف، وهو ما يدعو إلى التفاؤل، لاسيما وأن هنالك الكثير من العوامل المساعدة التي قد تدعم مهمته خلال الفترة المقبلة، من أهمها ازدياد عدد المنشقين من السياسيين والعسكريين على النظام، والانتصارات التي يحققها الثوار، إلى جانب التأييد المتزايد الذي تحظى به المعارضة السورية من قِبل الرأي العام العالمي. سنضع ذلك كله في الاعتبار، ونحن نتابع بكل الاهتمام كيفية تعامل الإبراهيمي مع الأزمة، دون أن ننسى جهوده السابقة (الشاقة) في جنوب إفريقيا، ولبنان، والعراق، وأفغانستان، وغيرها، حيث كان النجاح حليفه في أغلب الأحيان.

أخبار ذات صلة

شراء المشاهدات
يتغيَّرون.. ونكتفي نحن بالطلاء!
سيدة «نساء» جدة
حين نرى الأشياء بعين مختلفة
;
ما بين الأمراض المزمنة والكلام المسموم رواية أخرى
شكرًا
حفل تخرج الروضة!!
عام جديد.. ونبضات متعبة
;
الإنسان قبل أن تسبقنا الآلة
الجمهور الداخلي.. الحلقة المنسية في الدبلوماسية العامة
رحلة الشيخ عبدالله العباسي إلى الحج
جبل عمر أيقونة التاريخ والاستثمار.. إلى أين؟
;
حين يصبح التسول مهارة وظيفية!
مَن يتذكَّر أرقام الجلوس؟!
حين يدفع الوطن أجر الألم
من منح العقل والبصيرة