سوق عكاظ في سن الطفولة

سوق عكاظ في سن الطفولة
من الجميلِ أن يُعبِّرَ عرَّابُ عكاظ في عصره الحديث الأمير خالد الفيصل عن السوق بأنه لا يزال في سن الطفولة؛ لكي لا يَفْقِدَ هذا الحدثُ قيمته الأثرية في مستنقع التكرار، وتُثلم مكانته التاريخية في مقتل تضخم الذات؛ ذلك لأنَّ الكثيرَ من المشروعات التنويرية -في مجتمعاتنا العربية- غالبًا ما تئدها فرحة الاستعجال في مهدها، وتُطفئ جذوة إبداعاتها القناعة السلبية بالوصول إلى السقف المُرضي، عندها نُجزم بأن خط الانهيار العقلي بدأ في الانحدار من أعالي جبل غزوان مُغادرًا جادّة السوق في طريقه إلى الانزواء بعيدًا عن التطبيل الأجوف، والتلميع المخدوش. ولكنَّ شيئًا من هذه الرؤية المتشائمة لا يوجد له مكان في أجندات العرّاب المُبدِع، الذي دائمًا ما يُلقِّن المتفائلين قبل المُحبطين من حوله أبجديات النظر إلى المُستقبل البعيد، وليس القريب، قبل أن تغوص أفراحهم في وَحْل الحاضر، ويتغنون بها في نواديهم؛ بقدر ما تكون تراكمية التوجّه لفعل يؤسس لمشروع يتّسم بديمومة الحياة، وتتّشح خيمة نابغته الرابضة في مضاربه باحمرار التفاعل في سياقه الإقليمي والدولي، لتُشكّل في المُحصِّلة النهائية فعالياته قيمةً مُضافةً للفكر والثقافة، وتكون جادته مسرحًا يتبارز فيه المولعون بالفن والجمال، بسيوفهم المُرهفة مُفردات الحب، وممارسات النجاح، مُستنطقين روح الماضي بلغة الحاضر، ومُستفيدين من إمكانات الحاضر في رسم ملامح المستقبل باحترافية تحفظ للتاريخ تراتيله، وللإنسان كينونته، وللمكان رسومه. تناثرت دُرر الإبداع على جنبات جادة السوق -في نسخته السادسة- في مساقات مُتعددة، ومشارب متباينة، ولكن دُرة العقد الفريد فيها منح العمل المسرحي الإبداعي -العكاظيون الجُدد- تأشيرة الحضور الطاغي المتوقع، لأنه استدعى على تقاسيم رسمه رجلاً استثنائيًّا في مواقفه، نبيلاً في أخلاقه، قويًّا في قراراته، قبل أن يكون شاعرًا معاصرًا ومُبرّزًا في فنّه، ليلتقي بأجداده في قالب مسرحي شعري، يؤكد على تواصل الأجيال مع بعضها البعض، ويُثبت للعالم بأن جزيرة العرب لن ينضبَ معينُها الشعريُّ، حيث كانت -ولا زالت- منجمًا للإبداع، وأُمًّا رؤومًا للمبدعين، وقد تجسّدت روح العكاظيين الجدد في استلهام شخصية الراحل الدكتور غازي القصيبي -رحمه الله- الذي جمع أطناب المجد من أقطابها، ورسم برؤية المُفكِّر سياسة الواقع، وكتب بلغة الشعر ألحان الخلود، وصاغ بالسرد متون الرواية، وقعَّد للإدارة فلسفتها، وكم كنتُ أتمنّى أن يكونَ جسدُه حاضرًا كروحه في هذه التظاهرة التي تُحقق جزءًا من مشروعه الفكري الذي تبناه في الكثير من أطروحاته، ولكننا كما قال الأستاذ محمد حسين زيدان -رحمه الله-: نحن مجتمع دفَّان، وهذا ما يُثبته تعاطينا مع كلِّ مَن تركَ بصمةً مُغايرةً للمألوف في مجاله، فالتكريمُ يأتيه بعد رحيله، ولكنه في أسوأ الظروف أدنى درجات الوفاء. لن يتوقفَ نهرُ الطموحاتِ العذب من عرَّاب عكاظ، ولن نرضى -معه- بسقفٍ مُغلقٍ للأمنيات، يستأصلُ بدنوّه من الأرض رَحِمَ التميُّزِ، بقدر ما ستُعضِّدُ أفكاره أفكارنا، وسيشدُّ من أزره أزرنا؛ ليتحققَ الحلمُ، ويكبرَ الطفلُ، ويشبّ عُوده أبيًّا مُستندًا على إرثٍ عريقٍ، ومجدٍ تليدٍ؛ ليكونَ مشروعًا حضاريًّا ينطلقُ من المملكة العربية السعودية بهويةٍ عربيةٍ مُستهدفًا التأثير في الحضارة الإنسانية العالمية.

أخبار ذات صلة

ما رأيته في الطوارئ يستحق أن يُروى
الوجه السلبي لبطولة كأس العالم!!
دعم النافعين ونهاية (الحكاية)!
أرويا كروز.. أكبر سفينة سياحية سعودية
;
السعودية في الحج.. قصة نجاح تتجدد وتبهر العالم
المعنى المفقود
كأس العالم.. التاريخ الذي يُكتب كل أربع سنوات
فخامة الإنجاز في ثوب التواضع
;
الطائف قديمًا
إدارة موارد الحياة: علم أم حكمة؟!
عبدالعزيز بن تركي.. ومرحلة الرؤية الرياضية
خبرات رجال الأعمال.. ثروة وطنية تستحق الاستثمار
;
سؤال الهوية.. والعلوم الإنسانية
«الحج».. رسالة إعلامية عالمية
مراكز الدراسات.. وتجديد المعرفة
حج استثنائي