هل يعيد التاريخ نفسه؟! (2)
تحدّثتُ في مقالِ أمس الأول عن الحقبة التي دبّت فيها بوادر الفتنة بين عنصري الأمة الأبرز، العرب والأتراك، خلال أواخر مراحل الدولة العثمانية.توقفنا في المقال الأول عند بداية الحرب العالمية الأولى (١٩١٤)، وما لحق بالعرب من جرّائها من أذى ومظالم إضافية تمثّلت في شحِّ المواد الغذائية؛ ممّا أدّى إلى معاناة الكثير من المناطق العربية من المجاعة. بالإضافة إلى قانون السخرة الذي كان يقضي بإفراغ البلاد العربية من رجالها، إمّا للمشاركة في الأعمال الحربية نفسها، وإمّا لإنجاز الخدمات المتعلّقة بالمجهود الحربي.في تلك الفترة كانت جميع الظروف قد تهيّأت للعرب كي يقاوموا ويعلنوا ثورتهم التي كانت تهدف إلى إنشاء دولتهم الخاصة. وقد وعد البريطانيون العرب إذا ما تحالفوا معهم، وشاركوا في ضعضعة أركان الدولة العثمانية من الداخل، أن يمنحوهم الاستقلال ليقيموا دولتهم الكبرى التي تشمل معظم مساحة الوطن العربي.ما حدث أن البريطانيين، وبعد أن مدّوا العرب بالدعم المطلوب لثورتهم، والذي توّجوه بإرسال الضابط الإنجليزي الشهير الذي عُرف بلورانس العرب، والذي كان يتولّى مهمة التخطيط الإستراتيجي لإنجاح تلك الثورة، نكثوا بوعدهم، واتفقوا مع الفرنسيين على تقسيم تركة الدولة العثمانية في العالم العربي بالتساوي بينهما عبر الاتفاقية الشهيرة (سايكس - بيكو) التي كانت تحمل اسمي وزيري خارجيتي الدولتين العظميين.وهكذا تم استغلال الأوضاع المأساوية للعرب وتم توظيف شعورهم بالظلم والتمييز، لضرب وحدة العالم الإسلامي، ولوضع يد القوى الاستعمارية على معظم بلاد الوطن العربي، حيث وضعت بريطانيا يدها على مصر والسودان وفلسطين والعراق، فيما وضعت فرنسا يدها على كلٍّ من سوريا ولبنان وبلاد المغرب العربي.والآن وبعد أن توفرت لكثير من الشعوب العربية الظروف المناسبة لانطلاق الثورات والانتفاضات الشعبية ضد الاستبداد والفساد والتبعية، ها نحن نرى رأي العين محاولات الغرب الحثيثة للانقضاض على تلك الثورات لإعادة رسم خارطة المنطقة مجددًا بتجزيء ما هو مُجزَّأ من الأصل، سعيًا لإحكام سيطرة الغرب والصهيونية وهيمنتهما على المنطقة.المهم أن يكون لدينا من الوعي بالتاريخ، ما لا يسمح لنا بابتلاع الطعم مجددًا.. فهل سنتعظ؟!