حتى يرتدعوا
يعود تاريخ التعليم إلى زمن بعيد، بواسطة الكُتَّاب للأولاد، والفقيهة للبنات، وهي المراحل المبكرة للتعليم التي يقابلها اليوم الروضة، ثم التمهيدي الأول والتمهيدي الثاني، وهذه المرحلة من التعليم المبكر مختلطة بين الأطفال والبنات اليوم، بينما كانت بالأمس تقوم هذه الدراسة فيهما منفصلة، يتولى تعليم الأطفال الشيخ، وتقوم بتعليم البنات الفقيهة، كان شيخنا في الكُتّاب -وأنا طفل صغير- الشيخ علي هلال في حارة الشام، وكانت الكتاتيب منتشرة في حارات جدة المختلفة، وأهم ما يدرس فيها القرآن الكريم، وكان يبدو على الشيخ علي هلال النوم، وهو مستيقظ، فإن أخطأ من يُسمِّع القرآن طالته عصاية الشيخ، وكان يساعده في مهمته الطالب المتفوّق في القراءة للقرآن الكريم، ويُسمَّى الألفة، له من السلطة على زملائه الطلبة في التوجيه، وهو طفلاً مثلهم، وكانت تشد الفلكة ليضرب الطالب على قدميه بعصاية الشيخ علي هلال، ولا يسلم منها الألفة، وكان يوم سعد إذا طلب من بعض الطلبة أن يطلعنا إلى أعلى الدار عند زوجته التي كان اسمها زبيدة، وكان الأطفال ينادونها ماما زبيدة، وكانت سيدة حنونة تكلف الأطفال ببعض أعمال البيت، ثم تقدم لهم بعد ذلك أصنافًا من الطعام، رحمها الله رحمة واسعة مع زوجها الشيخ علي هلال، وأسكنهما فسيح جناته.أنا شخصيًّا استمرت علاقاتي مع الشيخ علي هلال بعد تخرجي من الجامعة، وعملي في وزارة الخارجية، وبدأت عندما قابلته في السوق، فمد لي يده حتى أُقبّلها فتعمّدت مصافحته، ورحّبت به بحرارة، ولما قضيت حاجتي من السوق، وعُدتُ إلى البيت وجدتُ الشيخ علي هلال في انتظاري عند الوالد، فلما دخلت عليهما بادرني أبي بالقول يا رضا قبّل يد شيخك علي هلال، وأينما لقيته قبّل يده برضاي عليك، وأخذ الشيخ علي هلال -رحمه الله- يتعمد أن يمد يده لي لتقبيلها ووضعها على جبهتي وفقًا لأصول التقبيل أمام كل الناس، واستمرت هذه الحالة سنوات حتى انتقل إلى رحمة الله الذي أسأله أن يرحمه رحمة واسعة.أمّا البنات عند الفقيهة فكن يدرسن القرآن الكريم تمامًا كما يتم في كُتَّاب الأولاد غير أن الدراسة عندهن تتواصل، حيث كان للفقيهة مجموعة من المساعدات المتخصصات فيعلّمن البنات الخياطة والتفصيل ومتخصصات أخريات يعلّمن البنات «الطبخ»، وإعداد أنواع الطعام المختلفة، وأصبح التعليم عند الفقيهة تعليم كامل لضروب الحياة المختلفة في مختلف المجالات إلى الدرجة التي يمكن أن نقول عنها أن الدراسة بها تؤدّي إلى تأهيل البنات في مختلف شؤون الحياة؛ ممّا يجعلنا نقول باطمئنان أن الفقيهة خرَّجت إلى المجتمع سيدات بيوت، وأصحاب قدرات متعددة في مختلف شؤون الحياة.. يقول الشاعر:إن المعلم والطبيب كلاهما..لا ينصحان إذا هما لم يكرما..وهذا الإكرام يعني حصولهما على دخل مادي يتفق مع ما يُقدِّمان من خدمات جليلة في الحياة، تفيد الناس جميعًا في مجال العطاء العلمي للإنسان، وفي مجال العلاج من كل العلل المختلفة.إن التعليم هو عطاء متكامل يقدمه كل أستاذ بإخلاص، ومهما أُعطي الأستاذ مقابل هذا العطاء لا يحصل على حقه، لأنه يستحق أكثر بكثير ممّا يحصل عليه، حيث يُقدِّم من جهده ووقته وعلمه للإنسان الذي ينعم بعطاء غير محدود من المعلم، وكذلك يتمتع بعطاء الطبيب الذي يُقدِّم خدمات جليلة للإنسان تجعله يعيش في رفاهية كاملة، ونعيم مقيم بالعطاء غير المحدود الذي يقدمه الأطباء للإنسانية التي تُحقق رفاهية الحياة التي ينعم بها الإنسان في كل دروب حياته.إن الأستاذ في مختلف مراحل التعليم يُعطي علمًا ومعرفةً لطلبته بصورة يحصلون فيها على معرفة واسعة، وتجعل الأستاذ يستحق كل التكريم والمكانة الرفيعة التي تجعله مؤهلاً لاستحقاقات جليلة في المجتمع.القرار الصادر القاضي بتكريم الأستاذ السعودي بتحديد حد أدنى لراتبه الشهري، ويُلزم المدارس الأهلية على صرف هذا الراتب للأستاذ السعودي، أتمنى أن يُطبق هذا الحد الأدنى أيضًا على الأستاذ غير السعودي، حيث يُترك للمدرسة الأهلية تحديد الراتب للمدرس غير السعودي الذي يأتي -غالبًا- متدنيًا للغاية، ممّا يدعوني إلى المناداة بأن ينصرف قرار الحد الأدنى للراتب الشهري على الأستاذ غير السعودي أيضًا، باعتباره يؤدي نفس الدور التعليمي. فالراتب في مثل هذه الحالة يُحدَّد للوظيفة، وليس للشخص، وذلك لكي يحصل الكل على راتب واحد، وفي النهاية دعوني أقل لكم: إن الراتب المُستَحق للمعلم -مهما كبر- لا يوفيه حقه من التقدير.