الجماهير وسيكولوجية الغضب
من الصعب وربما من شبه المستحيل، ضبط غضب الشعوب في أي دولة من الدول والسيطرة عليه والحيلولة بينه وبين أن يتحول إلى أعمال شغب وعنف. هذا ليس تبريراً للعنف الناتج عن الغضب الجماعي الذي يمس الشعور القومي، ولكنه تقرير واقع وحقيقة تعبر عن ارتباط الشغب بسيكولوجية الجماهير الغاضبة.آخر وقائع الغضب الشعبي الممتزج بالعنف والاعتداءات العشوائية المنفلتة من أي عقال، هو ما يحدث في الصين منذ أكثر من أسبوع، حيث تستهدف الجماهير الغاضبة هناك كل ما له علاقة باليابان، على خلفية إشكال سياسي وقع بين البلدين مؤخراً.الجماهير الصينية الغاضبة استهدفت السيارات ومقار الشركات اليابانية على الرغم من أن أصحاب هذه الشركات وصانعي تلك السيارات، ليست لهم علاقة بما حدث بين البلدين. ومع ذلك فإن أياً من كتاب الصين ومثقفيها الذين أدانوا أعمال الشغب، لم يتهم شعبه بالغوغائية أو التخلف والهمجية.وبعيداً عن الحالة الصينية التي انفجر الغضب فيها بسبب تعرض الشعور الوطني والكرامة القومية للاستفزاز، فإن الغضب الجماهيري قد ينتج أحياناً عن نزق قومي مفرط في صبيانيته، كما حدث في إنجلترا التي شهدت موجة من الهجوم على السيارات الألمانية عقب خسارة الفريق القومي هناك من الفريق الألماني ضمن مباريات الدور نصف النهائي من بطولة كأس العالم ١٩٩٠م.أما الأسوأ من كل ذلك، فهو ظاهرة شغب الملاعب التي عرف بها الجمهور الإنجليزي خارج أراضيه، حيث سبق لجمهور فريق ليفربول أن اعتدى على جمهور فريق يوفنتوس الإيطالي قبل انطلاق المباراة النهائية لبطولة الأبطال الأوروبية بملعب هيزل ببلجيكا في أواسط الثمانينات من القرن الماضي، مما أدى إلى مقتل ست وثلاثين مشجعاً إيطالياً دفعة واحدة. وطبعاً وعلى الرغم من همجية العدوان وفظاعته، فإن أحداً لم يتهم الشعب البريطاني، والإنجليز على وجه الخصوص، بالغوغائية والهمجية.العجيب أن العديد من الكُتَّاب العرب استغل موجة الغضب العارم التي سادت الشارع العربي بسبب الفيلم المسيء، لاتهام الشعوب العربية بالغوغائية والتخلف في تعميم لا يليق إلا بالجهلة أو الموتورين.هناك من هو جاهز وفي حالة تحفز دائم لإدانة الشعوب العربية ولتبرير الاعتداءات التي تقع عليها والإهانات الموجهة لها.كتابات هؤلاء هي إحدى أهم أسباب رواج الفكر المتطرف.