تركيا بين مشروعين

تركيا بين مشروعين
يعتقد البعض أن ما يحدث في تركيا أزمة سياسية يمكن احتواؤها مهما تعاظمت ، وهو ما لا أراه صحيحاً . ما يحدث في تركيا هو انعكاس لحالة من الصراع والمواجهة التي أعتقد أنها ستصبح عما قريب سافرة ، بين مجموعة القيم التي كرسها مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك ، وبين مجموعة القيم التي يرى حزب العدالة والتنمية ، أن الوقت مناسب الآن لفرضها على المجتمع . بعيداً عن تقييمنا نحن لطبيعة القيم التي يحملها المشروعان ، الأتاتوركي والأردوغاني ، وبغض النظر عن المخطئ والمصيب – على فرض وجود جهة أو طرف يمتلك الحقيقة المطلقة وطرف آخر يمثل الباطل المطلق – فإن ما يحدث في تركيا ينذر بوقوع حالة انقسام قد تجر البلاد إلى ما لا يحمد عقباه . رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الذي حرص طوال سنوات حكمه الماضية على الظهور بمظهر المتصالح مع العلمانية التركية المختلفة عن علمانية الغرب من حيث موقفها المتشدد من التدين ، أعلن الحرب على قيم الجمهورية التي كرسها أتاتورك بشكل سافر ، عندما وصف من وضعوا القوانين التي تسمح بتناول الكحول وبيعه بدون مراعاة لبعض الضوابط ، بالسكيرين . وهي إشارة تلقاها مجموعة الشباب الذين لا يزال يشكل أتاتورك بالنسبة إليهم الرمز الوطني الأعظم – كثير من الأتراك ينظرون لأتاتورك هذه النظرة – بانزعاج وصل حد الإحساس بالخطر على قيم الجمهورية . القصة ليست قصة منتزه وحديقة عامة على أهمية هذه الواقعة ، القصة قصة مشروعين يصعب إن لم يكن من المستحيل التعايش بينهما : المشروع الأتاتوركي ومشروع حزب العدالة والتنمية الذي يضع استعادة الخلافة العثمانية ، ضمن قائمة الغايات الرئيسة له . أردوغان الذي استطاع خلال سنوات حكمه أن يخترق الجيش والإعلام وأجهزة الأمن ، يعتقد أن الوقت الحالي هو الوقت المناسب لإعلان الانقلاب على قيم الجمهورية التركية . هذا على الأقل ما يؤمن به عدد من الأتراك الذين اعتصموا بميدان تقسيم لمقاومة ما أسموه مشروع (( أسلمة المجتمع )) . والعنف الذي مارسته الشرطة التركية باعتراف حلفائها الاستراتيجيين في الغرب ، هو ما سيؤكد وجهة نظر المحتجين عند كثير من الناس . إختراق مؤسسات الدولة لا يعني السيطرة على الشارع ، والقيم التي قامت عليها الجمهورية ورمزية أتاتورك بالنسبة للأجيال التركية المتعاقبة ، لا يمكن مواجهتها بهذه السهولة ، حتى لو نجحت الحكومة في السيطرة على مؤسسات الدولة . الصراع الآن هو صراع مشروعين، ولكي ينتصر مشروع أردوغان يجب في البداية أن يتم تحييد مشاعر الشعب التركي تجاه أتاتورك الذي لا يزال بالنسبة للأغلبية ، رمز الاستقلال والحداثة وراعي الجمهورية ومؤسسها، فهل يستطيع أردوغان أن يخوض صراعاً على هذا القدر من الخطورة ؟ أتاتورك ما زال يحتل مساحة واسعة من الوجدان القومي التركي ، وأية محاولة لاستدعائه من قبره لخوض صراع وجود ضده ، ستكون خطيرة جدا .

أخبار ذات صلة

شراء المشاهدات
يتغيَّرون.. ونكتفي نحن بالطلاء!
سيدة «نساء» جدة
حين نرى الأشياء بعين مختلفة
;
ما بين الأمراض المزمنة والكلام المسموم رواية أخرى
شكرًا
حفل تخرج الروضة!!
عام جديد.. ونبضات متعبة
;
الإنسان قبل أن تسبقنا الآلة
الجمهور الداخلي.. الحلقة المنسية في الدبلوماسية العامة
رحلة الشيخ عبدالله العباسي إلى الحج
جبل عمر أيقونة التاريخ والاستثمار.. إلى أين؟
;
حين يصبح التسول مهارة وظيفية!
مَن يتذكَّر أرقام الجلوس؟!
حين يدفع الوطن أجر الألم
من منح العقل والبصيرة