القدس تستحق تضحية أكثر
تاريخ النشر: 04 يونيو 2010 03:46 KSA
يحق للبعض أن يتساءل عمّا إذا كان سيتبقى شيء من القدس العربية بعد عامين من الآن في ظل حملة الاستيطان الإسرائيلي المسعورة، وما يرافقها من طرد للمقدسيين ومصادرة، وهدم منازلهم. ذلك أن كل المؤشرات تؤكد على أن القدس العربية بدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة ما لم يتم تكثيف الجهود العربية والإسلامية، وقبل ذلك وبعده، جهود الشعب الفلسطيني كله لإنقاذ ما تبقى من تلك الأرض العزيزة بمقدساتها وترابها الطاهر الذي روته دماء بني يعرب وأجناد المسلمين عبر القرون. المحزن والمؤسف أنه في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة التهويد في قبلة المسلمين الأولى، وأرض ثالث الحرمين الشريفين، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم تتسع فيه فجوة الخلافات بين السلطة وحماس، فيما تستسلم فيه القيادة الفلسطينية لأحلام اليقظة بالقول بإمكانية قيام الدولة في غضون عامين، وأن الطريق إلى هكذا دولة لا ينبغي أن يمر عبر فوهة بندقية المقاومة! وقد يكون ذلك صحيحًا وممكنًا فيما لو كانت الدولة المحتلة -أي دولة من الاستعمار القديم أو الحديث-، لكنه لا يمكن أن ينطبق على الاستعمار الصهيوني لفلسطين؛ باعتباره استعمارًا بيوريتاني يطبق مزيجًا من أساليب القهر التي مورست عبر التاريخ، بما في ذلك التصفية العرقية، ومحاولة محو هوية السكان الأصليين، والاستيلاء على أراضيهم، وطردهم من ديارهم، وسرقة تراثهم وآثارهم، وطمس معالم حضارتهم التاريخية، وممارسة المذابح والمجازر والحصار ضدهم بشكل متواصل. وليست مشاهد حرب غزة ببعيدة، فهي تقدم بكل تفاصيلها نموذجًا واضحًا وصريحًا لهذا النوع من الاستعباد والقهر البشري. وثمة قائل بأن عملية الإبادة الجماعية التي مورست ضد الهنود الحمر تفوق بمئات المرات ما حدث في الحالة الفلسطينية، نعم هذا صحيح، لكن دعونا نذكر أن هنالك اختلافًا كبيرًا في الحالة الفلسطينية، فالشعب الفلسطيني لم يكن (بدائيًا)، يعيش في قارة اكتشفت لتوّها، بل كان شعبًا حضاريًّا في قلب العالم، احتضنت أرضه الطاهرة مقدسات لكافة الأديان السماوية، وظل خلال مسيرته الحضارية الطويلة يقاوم الغزاة والمعتدين والمحتلين، متشبثًا بأرضه، وعقيدته، وحقوقه، كما ينبغي التذكير أيضًا بأننا نعيش الآن في القرن الـ21، وليس في القرن السابع عشر، عندما لم يكن هنالك (ساتلايت)، ولا أمم متحدة، ولا قانون دولي. ومع ذلك فإن التاريخ، والضمير الإنساني، وأصوات الحق التي يمثلها أحرار العالم أمثال نعوم تشومسكي، لم ولن تغفر للأمريكيين جرائمهم ضد الهنود الحمر.
لقد أثبتت تجربة التعامل مع إسرائيل من خلال أجندات السلام والمفاوضات والاتفاقيات عدم جدواها، فإسرائيل لا تفهم ولا تتعامل إلاّ بلغة العنف، وهو ما يعني أن مواجهة العنف بالسياسة الناعمة مضيعة للوقت والجهد، وحلم سرابي.
اليوم عندما نسمع في آخر تطورات التهويد عن مستندات مخطط تحركه سلطة الآثار الإسرائيلية، وشركة تطوير الحي اليهودي لبناء كنيس كبير يبعد عن المسجد الأقصى أقل من مئتي متر، فإن أي كلام حول استئناف المفاوضات لا يعني سوى إعطاء إسرائيل المزيد من الوقت لابتلاع المزيد من أراضي الضفة، وإنهاء مخطط تهويد القدس عند محطته الأخيرة: هدم الأقصى، وأنه لا بديل عن المقاومة، والانتفاضة، والتضحية؛ لأن القدس تستحق أكثر!