مزايدات الدم بين الشرع والعُرف

مزايدات الدم بين الشرع والعُرف
عندما سن الشارع دِية القتل الخطأ أو العمد فهو حكم إلهي يُغلق الباب أمام الكثير من الاجتهادات الذاتية التي – غالباً – ما ترضخ للأهواء الشخصية والاصطياد في الماء العَكِر استناداً للحاجة والوقوع تحت طائلة تنفيذ الحد الشرعي ؛ الأمر الذي يدفع أهل الدم بالمزايدة في المبلغ المادي المطلوب ، إضافة إلى إجلاء الجاني من المنطقة التي يقطنها أهل المجني عليه ، بل يصل العنت – أحياناً – إلى طلب ترك كل ما يملكه أهل الجاني لأهل المجني عليه من أملاك . المبالغات السابقة – وإن شئتم – سموها إفراطاً في المبالغة ليست إلا واقعاً نتعاطاه مُجتمعياً ، ونعيشه على مدار العام في سِمة مُستحدثة لم يشهدها عصر تالد ، وأجزم أنها مسار من مسارات الخصوصية المزعومة لنا كسعوديين لن يُمارسها غيرنا ؛ لأن المتأمل بموضوعية للتجمعات التي تُقحَم فيها القبائل وتُعزز العنصرية وتُضخم الأنا بهدف إيجاد حلول للقضية المطروحة لا يُقرُّها شرع ، ولا يُثبتها فرع ، بينما هي حالات شاذة لقدر محتوم استثمرها أهل المجني عليه ، ولم يجد أهل الجاني سوى الرضوخ لكل الطلبات في سبيل عتق رقبة ابنهم ، ويحدث هذا – كله – دون أخذ السبب الجوهري الذي أدى إلى ارتكاب جريمة القتل في الاعتبار عند البدء في جمع المبلغ المادي المطلوب ؛ لأن بعض الأسباب تُخالف الشرع ولا تتماشى مع العُرف ؛ فإما أن يكون الجاني والمجني عليه واقعين تحت وطأة مُسْكِر أو مُتعاطي مخدرات ؟ ففي هذه الحالة فالأنسب أن يُنفَّذ فيهما الحد الشرعي لأنهما غير صالحين ، فلماذا نُعزز الخطأ المُخالف للدين بخطأ آخر نُحمِّل من خلاله أفراد القبيلة وِزْر نزوة شيطانية اجتمعا عليها وأقدم أحدهما على التخلص من الآخر في لحظة غياب عن الواقع . إن استمرار هذه الظاهرة بالشكل الذي نلاحظه - حالياً - يؤكد إقراراً لا يحتمل التأويل من الجهات الرسمية والشعبية على الممارسات الفوضوية التي تعكس تدنيِّاً في مستوى الوعي ، وتجعل المُجتمعات تنظر إلينا وكأننا شعب لا يعرف من التحضُّر سوى أننا نملك مالاً نقوم على العبث به في إشباع رغبات مجنونة لا أثر إيجابي يُرجى منها ، ومناسبات يتسارعون لعرضها على شاشات القنوات الشعبية التي وجدت فيها دخلاً مادياً على حساب المهاترات التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع ، بقدر ما تُؤسس لجيل يُغيَّب عن المشاركة في تنمية وطنه بمتابعة برامج ذات أبعاد تؤجج العُنصرية ، وتجعلها لغة متداولة بين أوساط الشباب الذين هم رجال الغد . أحسنت الدولة عندما أعادت تقدير الدية بما يتوافق مع تغيُّر أسعار الإبل التي هي الأصل في الدية بحسب الجريرة ؛ فإن كانت خطأً فالدية أخماس ، وإن كانت عمداً فالدية أثلاث ، حيث تكون دية الخطأ (000’300) ثلاثمائة ألف ريال سعودي, ودية العمد وشبهه (000’400) أربعمائة ألف ريال سعودي ، مع الأخذ في الاعتبار أن التقييم المُستمر لها مطلب شرعي ، فهل نستطيع بناءً على ما حددته الدولة إجبار أهل الدم إما أن يأخذوا بما أمر به الشرع سواءً قصاصاً أم دية ؟ أم أننا سنضرب عرض الحائط بكل التشريعات التي جاء بها الشارع ونرتهن لما تُمليه علينا بعض الإسقاطات السلبية والمزايدات المادية وكأننا – للأسف الشديد – في سوق نبتاع ونشتري ، وليس في مقام عتق رقبة قد يكون لنا فيها أجرٌ عظيم متى ما كانت الأسباب خارجة عن الدوافع المشبوهة ؟ أسئلة أطرحها على أهل الحل والعقد من المؤثرين في مُجتمعنا – عل وعسى – أن يُبادروا في تبني وثيقة وطنية تمنع المبالغات غير المنطقية في طلب الديات مقابل الدم مهما كانت المُبررات وتعددت الأسباب .

أخبار ذات صلة

عبدالعزيز بن سعد.. أمير القيادة الملهمة
استضافة نبيٍّ وجهاد في إسطنبول!!
المدرعمون بجهل
ثلاث صور تتجاوز حدود المصادفة.. جمعها أكبر مسرح
;
استثمر في نفسك أولًا
كيف تتعامل المدن مع تضاريسها؟
استراحة الترطيب
الخصوبة: انخفاضها ووظائف مراكزها
;
كيف تبيع سيارتك للسياحة؟!
لكل وجه وقامة «حكاية»
لماذا يسهل خداعنا؟!
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
;
‏إلى معالي أمين جدة.. مع التحية
الأثر الحقيقي للجامعة
هل ما زلنا نبحث عن انتباه العالم؟
فصل الموظف.. هو آخر الحلول