آفة التعصب الرياضي
تاريخ النشر: 02 مارس 2014 01:11 KSA
لا أحد يُنكر وجود التعصب الرياضي في أي مُجتمع ؛ لأنه نتيجة منطقية لحماس المُشجعين للفريق الذي يعشقونه ، وقد يُفضلونه على أولويات تتقاطع مع أهلهم وذويهم ، الأمر الذي يجعلنا نؤمن ببعضه وفي نفس الوقت نرفض بعضه ؛ فكيف تتزن هذه المعادلة في حقل يتسم بالعنف في كل مساراته سواءً أكان ذلك داخل الملعب أم على مدرجاته أم بين مُشجعيه خارجه أم على شاشات التلفزة التي انبرت في تحليل المباريات على وجه التحديد ومناقشة القضايا الرياضية بشكل عام ؟!
أرى أن السبب الأهم مع بقية الأسباب التي أججت هذا التعصب حتى أصبح مصدراً مُزعجاً للمجتمع يتمثل في هامش الحرية المُعطى للإعلام الرياضي الذي ساهم بشكل مباشر وقوي في تجاوز المُشجعين للخطوط الحمراء التي كان من المُحرَّم تجاوزها في السابق ، ويرجع ذلك إلى أنه – أي الإعلام الرياضي – استمرأ الإثارة على حساب الحقيقة ، وجنَّد أطروحاته المُغلفة بالميول لخدمة هذه الإثارة ، وأخذ يُغذي شهرته على الانتقاص من الآخر ، وانعكس هذا التعاطي السلبي للإعلام الرياضي على ملاعبنا مُتمثلاً في التنابز بأقذع الألفاظ ، والتعريض بالجنس واللون والطائفة من على المُدرجات باتجاه المُستطيل الأخضر ؛ مما يعني أننا أمام ظاهرة لابد من التوقف عندها ومناقشتها بشكل جدي واتخاذ قرارات صارمة تجاه العبث الذي يُمارس ويُهدد القيم العُليا التي تسعى المؤسسات التربوية والاجتماعية إلى غرسها .
من هذا المُنطلق يجب أن يُعالَج هذا الخلل الذي أخرج الروح الرياضية عن سياقها الطبيعي خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار ما سببته وسائل التواصل الاجتماعي كوسيط ثانٍ هام - وغير قابل للسيطرة - في نقل المعلومات والصور بشكل سريع من تأجيج مُعضلة التعصب وتغذية الميول بشكل سلبي ، ولن يتأتى هذا الحل والبرامج الرياضية التي تعرضها قنوات التلفزة تواصل التأليب من خلال مناقشة ما يحدث على أرض الملعب أو ما يقوله المُشجعون من على المُدرجات ، وأتمنى ألا يُفهم هذا تكميماً للأفواه بقدر ما هو إعادة توجيه لسياسات هذه البرامج التي تحظى بنسبة عالية جداً من المشاهدين بشكل تكون منبراً للسلوكيات المنطقية في التعامل مع القضايا المطروحة سواءً في الحوار الدائر بين مقدمي البرامج والضيوف أو بين الضيوف بعضهم البعض من جهة ، ومناقشة القضايا المطروحة بدون تحيُّز لأي جهة مهما كانت ميول المُتحدث من جهة أخرى .
لذا أرى الاستعجال في تعزيز ثقافة الحوار الرياضي بين الجميع دون إقصاء لأحد أو تجاهل لرأي ؛ لأن الحوار - من وجهة نظري الشخصية - خطوة أولى لتصحيح المسار الذي تعاظم أثره ، وتجاوز حده المعقول ، حتى وإن لم يُحقق الحوار الهدف المنشود بشكل كامل ، فالمؤكد أنه سيؤسس لبيئة خصبة يُمكن التقاط الإيجابيات منها وتشكيل رؤية جمعية تُهذِّب الإسقاطات السلبية التي تنامت في غفلة من حركة الزمن السريعة للحقل الرياضي الذي يرفع شعار المنافسة الشريفة ، وفجأة انقلب السحر على الساحر فأصبح من يُنادي بأهمية علُّو الروح الرياضية يقع في أتون التعصب الرياضي المَقيت .
وتأتي بعد خطوة الحوار ولمن لم يستجب له تطبيق الضوابط والتشريعات الرادعة لممارسة مثل هذه السلوكيات التي تتنافى مع أبسط مقومات التعامل الحضاري الذي يُعد الوسط الرياضي من أبرزه وسائله .
ولعلي اقترح - هنا - على الجهات ذات العلاقة إنشاء محكمة خاصة بالقضايا الرياضية تفصل بسرعة في كل ما يرد إليها ، ويُدرَّب على أنظمتها قضاة يكون الشرط الأول في اختيارهم التأكد من عدم وجود ميول رياضية لهم ؛ لضمان قضاء رياضي نزيه .