الاستعمار بالثقافة
تاريخ النشر: 09 نوفمبر 2014 03:46 KSA
في المجلد الرابع (بحوث وإبداع) من المجموعة الكاملة للمفكر والناقد الأستاذ عبد الله عبد الجبار، يتحدث عن الاستعمار الثقافي فيقول: 'بذل الاستعمار الإنجليزي في مصر، بدءاً من احتلالها عام ١٨٨٢م، ما في وسعه لصبغ الحياة العامة بصبغته، وطبع التعليم بطابعه، مادة ولغة وتاريخاً. فلغة المكاتبات الرسمية، ولغة التعليم العام هي لغة المستعمر. أما اللغة القومية فلغة أجنبية ثانوية. وأرغم الإنجليز ناظر المعارف آنذاك، على إصدار قرار عام ١٨٨٩م ينص على ((أن تكون لغة التعليم في المدارس المصرية هي اللغة الانجليزية)) ولم يكتفوا بذلك في محاربة الفصحى، بل روّجوا لتكون العامية لغة تعليم وكتابة وتأليف'. ثم يستفيض إلى تداعيات ذلك في شتى مناحي الحياة.
بعد أكثر من مئة وثلاثين عاماً، لم يعد في بلداننا العربية احتلال استعماري بمفهوم الجيوش الظاهرة،أوالحكومات التي تُدار سياساتها وخططها مباشرة من عواصم المستعمرين. لم تعد هناك حاجة للسيطرة على الشعوب بالمعدّات والجنود أو العوامل 'اللوجستية'. لقد تم استخدام ما هو أنجع وأقوى: ألا وهو الاستعمار الفكري والثقافي. فهذا الاستعمار لم يروّج للعامية فقط، بل أسس في كياننا الفكري وسلوكنا الاجتماعي وثقافتنا العربية ولغتها؛ الثقافة 'الأنجلوساكسونية' (الأمريكية على وجه الخصوص) ولغتها، و'الفرانكفونية' بشكل أقل ومحدود في المغرب العربي.
وما أسهل ملاحظة تعابيرهم اللغوية في مجتمعاتنا، وكذلك تعابير الإشارات التي يستخدمونها لتعبر عن ثقافة ومفردات المجتمع الأمريكي. وحتى نوعيات الأطعمة، والمطاعم، والزي، والموسيقى من 'جاز' أو 'راب' ومفرداتها المترجمة وغير المترجمة، والسلوكيات الاجتماعية الصادمة وغير الصادمة لمجتمعنا وفكره الثقافي وإرثه العريق.
إن الثقافات تتلاقح، والشعوب تستفيد من بعضها وتتقارب، ولكن الشعوب القوية لا تكتسحها الثقافات الأخرى أو تفقد هويتها.