أوهام في أبحر الثقافة
تاريخ النشر: 20 سبتمبر 2015 00:38 KSA
مفردة «الثقافة» عندنا فيها غموض وإشكالية كبيرة، ونتيجة لها يتبع التعريف الغامض لـ»المثقف»، من هو؟ وكيف نعرفه؟ ربما أحد أشكل قضايا فكرنا المجتمعي! مع أنها يجب ألا تكون قضية، ولو دخلنا في «التعريف» السائد أو «الانطباع» السائد أو «الاعتقاد» السائد لدى الناس (ويشمل ذلك مختلف الأنماط غير الأميّة وعلى كامل المنشور التعليمي)، لوجدنا أن المثقف في أذهانهم وفي تصورهم هو الذي يحمل بعضًا أو كل المواصفات والسمات الآتية:هو شخص (ذكر أو أنثى) حاصل على شهادة الدكتوراة، أكاديمي، مألوف الحضور في المناسبات الهامة المختلفة، شخصية أدبية، ذو نشاط اجتماعي، يخالط أصحاب الفكر، وغيره. من هذا نجد مدى المشكلة في تعريف المثقف، فاعتبار الحاصل على شهادة الدكتوراة مثقف دون نقاش، حتى ولو كانت أطروحته للدكتوراة هي في إثبات أن شخصية ما، مات في ظل شجرة مثلًا، أو أن غرق سفينة ما، كان نتيجة المدّ الزلزالي وليس العواصف، من هذا يبيّن لنا كيف أن التعريف -في هذه الحال- مجحف للشخص وللناس، وكذلك اعتبار من يخالط أصحاب الفكر، وتظهر صوره معهم مثقفًا، لداعي الإصابة بعدوى الثقافة، فهذا مضحك، أو الأكاديمي الذي أفنى عمره في تدريس مادة تخصصه من الكتاب الذي درسه هو قبل عقود، كل ذلك غريب أيضًا.هنا يتبين مدى غرائب تصورات الناس، ومدى إيمان واعتقاد كثير منهم بمفهوم شيء معيّن واعتماده أمرًا مسلمًا به، حتى ولو كان الشيء غامض التصور ومجهول المعطيات، ما ينقذهم هنا هو سطوة المفردة (الكلمة)، فتتردد دون فهم للعناصر والمعطيات الواجب توفرها في الشخص ليكون مثقفًًا حقًا. ويصرُّ كثيرون على ضرورة أن يكون المثقف أديبًا (شاعرًا، كاتبًا، روائيًا، قاصًا، وغيره) وهذا تصور غير دقيق وخطأ كبير.عندما يقال عن شخص: «إنه أصيب بصدمة ثقافية»، من الخطأ أن يفهم المعنى بارتباطه بالآداب فقط؛ لأن المعنى -في الحقيقة- يشمل كل ما في المجتمع من آداب وفنون وعلوم ولغة وتقنية وسلوك وأعراف وتشييد وعمران وتجارة واقتصاد وغيره، ومن هذا الفهم يمكننا تحديد معنى «الثقافة» الشامل، ومنه يتضح لنا معنى «المثقف»، ولكي ينطبق هذا الوصف على شخص ما، فلا بدّ أن يكون مساهمًا في الثقافة، أي لا بدّ أن يكون منتجًا لها أو مشاركًا فيها، ليس ذلك في الآداب وحدها، وإنما في كافة العلوم والمعارف والفنون مع توفر القاعدة من الأبعاد الثقافية الأخرى. وبهذا يخرج من التعريف كل خامل غير منتج (الإنتاج هنا هو إنتاج الثقافة وكذلك استهلاكها)، أو مدعٍ للثقافة، أو الذين لم ترتقِ مستوياتهم منذ دراستهم لكتب المحفوظات في الصغر.