الضوء الذي خفت.. المربي محمد نور مقصود
تاريخ النشر: 06 أكتوبر 2015 00:46 KSA
* في تلك اللحظة الفارقة من الأزل، والتي كنّا نُودِعُ الثرى الطيّب في حجون السيدة، ذلك الجسد الذي أبلاه صاحبه في صنع المعروف والإحسان، استعدت في الذاكرة لبداية صداقة مع الإنسان محمد نور مقصود، امتدَّت إلى ما يزيد عن أربعين عامًا، وكان ذلك في ردهات كلية الشريعة، فلم تغب عن ذهني إطلالته وهو يلج مبنى المؤسسة الأعرق في التعليم الجامعي، حيث كان يضع في أناقة سجادة على كتفيه، وحاملاً بين يديه شرح ابن عقيل في علم النحو، الذي علمتُ -فيما بعد- أنّه قرأه على ذلك النفر من علماء البلد الحرام، والذين كانت تزدهي بوقارهم، وبهائهم، وعلمهم مدرسة الفلاح التي احتضنته هو ورفاق دربه من أمثال الأساتذة: عبدالحليم تركستاني، وعبدالعزيز سرحان، وعمر أبو رزيزة، وطاهر تونسي، وسواهم. فلقد كان لدروس المشايخ الكرام المحققين علوي المالكي، ومحمد أمين كتبي، ومحمد العربي التباني، ومحمد نور سيف، الأثر العميق والإيجابي في تربية عقول ونفوس أجيال متلاحقة من أبناء البلد الحرام.* وإذا بالأنيس أبي عبدالله يحتفي بي، ومعي ثلة من أبناء طيبة الطيبة في مركازه، الذي كان يقع أمام حانوت أخيه الأكبر -رحمه الله- على مدخل حي المسفلة، وهناك حيث تتسابق الجموع قادمة من جميع أنحاء البلدة الطاهرة لتطوف بالبيت خاضعة ومنكسرة، ولتستمع للقرآن مرتلاً، وللأذان نديًّا يتسلل إلى أعماق النفس ليغسلها من أدرانٍ غشيتها في غفلة، وكُدوراتٍ التصقت بها في لحظات ضعف، في ذلك المكان الذي يلتئم فيه جمع أحباب الأستاذ وأصفيائه، وهم كثر، فلقد كان -رحمه الله- ماهرًا بالفطرة في صناعة الحب، والقدرة على معرفة أمزجة الآخرين في كل طبقات المجتمع. هناك في الدروب المضيئة، والحنايا المشعة، حيث سطع النور، واستقرّ في الشِّعب، و»المنحنى»، وتهادى بين الشامية والنَّقا، حيث تنزّلت من عالم الغيب على قلب النبي الخاتم آيات الذكر الحكيم «اقرأ باسم ربك الذي خلق»، فخرج بها صلّى الله عليه وسلم داعيًا بني قومه برفق، وإحسان، وتسامح.* في تلك الديار التي طاب فيها كل شيء، حجرها ومدرها، وشجرها وأناسها، تعرّفتُ على الصفوة من أبناء البلد الحرام، فلقد كان «مركاز» أو بالأصح منتدى «النور» مذكِّرًا بما قرأته في مطلع العمر، وسمعته لاحقًا من عزيزنا الأديب المكيّ الأستاذ محمد عمر العامودي، عن مركاز مقهى «عبدالحي» حيث كان يتطارح الشعر، وفنونًا أخرى من الإبداع جلُّ جيل الروَّاد، وحيث ولدت رائعة «شحاتة»، التي ردَّدها المنشدون والرواة، والتي يقول مطلعها:بعد صفوِ الهوى وطيبِ الوفاقعزَّ حتى السلامُ عند التلاقييا معافى من داءِ قلبي وحُزنيوسليمًا من حرقتي واشتياقي** كان الفقيد يتّسع صدره لحِدَّة البعض، ونزق البعض الآخر، ويقابل أولئك الجمع -على كافة مشاربهم- بصدرٍ متَّسع، وابتسامة صادقة وراضية هي -إن صح التعبير- من لوازم شخصيته.* وتلاقى «مركازه» مع مركاز الرجل الشهم والنبيل الشيخ عبدالله بصنوي، فكان لا يفرّق بيننا إلاّ ذلك الوقت الذي كانت الأجساد فيه تتطلّع إلى شيء من الراحة، وتخلد للنوم، ولعلّي أتذكّر ذلك اليوم الحزين الذي فقدنا فيه الشاب الطلعة الشريف كامل الراجحي، حيث اقتحم علينا الصديق سامي ولي مجلسَنا في دار الوالد «البصنوي»، وهو ينتحبُ مردِّدًا اسم كامل الذي ذهب ضحية حادث مروّع، ومذكِّرًا بعد عقود من الزمن بفاجعة موت أبي عبدالله في حادث هو من قضاء الله وقدره، وظللتُ مع الأحباب نتذكّر «كامل»، وسخاءه وشهامته، فقليلٌ أولئك الذين يدركون معنى أن تكون شهمًا ونبيلاً. ولعلّي أستعيد في هذه السطور التي أدوّنها ودمعٌ يتناثر، وحرقةٌ في النفس تتوقّد، مقولةَ الرحّالة البريطاني «بيرتون» في وصفه للشخصية المكيّة حيث يقول: «والمكيُّ أوَّابٌ بطبيعته»، وأضيفُ صادقًا بأنّه شهم، وغيور بفطرته.* كان الفقيد -رحمه الله- اذا ما دخل مجلسًا اختار أقرب الأمكنة وأدناها، مع أنه كان بعلمه وسلوكه مهيأ لأن يكون في أعاليها، وتحسبه إذا ما أمَّ مناسبة أنه صاحبها، وكان عطوفًا على أبنائه ومريديه من الطلاب، ومشجِّعًا لمواهبهم العلمية والأدبية، وإن قسا عليهم أحيانًا عاد متعطِّفًا؛ ليشعرهم بأن قسوته كانت نابعة من حرصه عليهم، ولينأى بهم عن عقبات الطريق.* تُرى يا رفيق الدرب، وسرير النفس مَن سوف أبثّه شكوى هذا الزمن الصعب بعدك؟ ومَن أرتجيه -بعد الله- في النائبات إذا ما حلّت؟ فلم تفتح أمامي أبواب دورك في المسيال، والعوالي فقط، بل فتحت مسامع قلبك الذي طهَّرتَه بالذكر، فلقد كان يتّسع لكل الذين شاطروك مشوار العمر، فلم تشكُ يومًا وهنًا، ولم تومئ إلى حرج وضيق، بل ظللت -كما تعوَّدك أحبابك- وفيًّا، وبارًّا بهم حتى ترجَّلتَ واقفًا. فرحمك الله ما هبّت نسمات الرحمة والقرب على أجساد سكنت ترب الحجون والمعلاة، حيث الجوار الطيّب، والنُّزل الآمن والمطمئن، حيث ديمومة الصفاء، حيث الشهود على عظمة من جعل في الممات قدرته، وفي القبور قضاءه، وفي القيامة مملكته، وفي الحساب هيبته، وفي الميزان عدله وإحسانه.