أعْطُونَا طائِراتِكُم.. نُعطِكُم سِلاَلنَا

أعْطُونَا طائِراتِكُم.. نُعطِكُم سِلاَلنَا
هذه الكلمة للمناضل الجزائري العربي بن مهيدي، الذي قبل اغتياله من جلاديه في الفترة الاستعمارية، أجاب صحفيًّا فرنسيًّا سأله: لماذا يضعون السلال الملغمة، وينسفون الناس والمحلات؟ أجابه بهذه الجملة: أتأسّف على أرواح الأبرياء، لكن أعطونا طائراتكم، نعطكم سلالنا. انتابني هذا الإحساس وأنا أقرأ تعليقات الصحافة الأوروبية التي تسير على خطى خطاب نتنياهو بتوصيفه لما يحدث في فلسطين بإرهاب السكاكين. ماذا يساوي السكين، من حيث التكافؤ، ببندقية رشاشة قادرة على قتل العشرات في ثانية واحدة. هناك حالة عمى إعلامي أوروبي. أحيانًا نتوهم، ونحاول أن نجبر أنفسنا على تربية الوهم الإنساني، بأن أوروبا التي سلّحت إسرائيل، وسترت التجارب النووية الإسرائيلية وغطّتها، بل وأشرفت عليها، ستستيقظ يومًا من سباتها لتدرك بأن خطأها كان جسيمًا؛ لأنها وضعت المنطقة كلها على حافة الانهيار الكلي بسبب مصالح اللوبيهات، والمجموعات المالية. الإنسانية في النهاية فهم واحد ووحيد، ولا يتجزأ، إمّا أن نكون داخله أو خارجه، لا توجد منطقة وسطى. ولا يمكن أن نكيل بمكيالين بدون الاصطفاف في جهة القتلة، والمالكين للقوة. أتابع القنوات العربية، والأوروبية تحديدًا لمعرفة ما يجري في فلسطين، متمنيًا أن أرى قيم حق الحياة والحرية والعدالة التي شكّلت العمود الفقري لأوروبا في نضالها التاريخي، متجلية فيما تقوم به، لكني لا أصاب فقط بخيبة، بل بفجيعة ابتذال هذه القيم النبيلة، إذ هل يعقل أن يصل العمى الإعلامي إلى هذه الدرجة، بحيث لا يرى في النهاية إلاّ سكاكين الفلسطينيين، وحجارتهم الخطيرة، ولا يرى البنادق، ونيران الطائرات التي تحصد أرواح العشرات في كل شهر؟ لا أعتقد أن الفلسطيني يكره اليهودي لديانته، ولا لعرقه، ولا للغته، ولا لكونه مختلفًا عنه في ثقافته وتقاليده، فقد عاشوا زمنًا طويلاً معًا، ويعرفون بعضهم البعض جيدًا، لكنه كما كل البشر، يكره الغطرسة والظلم والاحتلال البغيض. فهل هناك شعب على وجه الأرض يتصرّف بعكس ذلك؟ ليس للفلسطيني أي ذنب في المأساة اليهودية في المحتشدات النازية، لكنه ليس مجبرًا أن يتحمّل تبعات مَن أجرم في حقهم. لماذا يدفع اليوم ثمن جريمة ارتكبتها أوروبا، وتفننت فيها؟ عقدة الذنب التاريخية أعمت أوروبا عن رؤية اللوحة الدامية التي تتشكّل اليوم أمام عينيها بدون أية ردة فعل. هناك فاشية تولد اليوم في إسرائيل، لا تختلف في شيء عن الفاشيات العالمية. تجمع المال والغطرسة والخوف على السلطة يصنع هذه الآلة التي لا ترى شيئًا إلاّ شهواتها الاستعمارية ولا إنسانيتها. لقد وجد نتنياهو ضالته المثلى في كلمة الإرهاب الذي كان هو واحدًا من صنّاعه. يتغني بمحاربة إرهاب السكاكين، وينسى إرهاب الدولة الذي تحوّل إلى مؤسسة قائمة بذاتها، ومكتفية بقوتها وكرهها لكل ما هو عربي مطلبي. صورة مقتل الطفل أحمد المناصرة على المباشر تختزل المشروع الإرهابي الإسرائيلي. ماذا كان يحمل هذا الطفل الذي تُرك يعوم في دمه ونزفه حتى الموت في مشهدية خرافية، كأننا في ساحة كوريدا يتلذذ بها القاتل والمتفرج معًا، وتموت الضحية وحيدة شيئًا فشيئًا قبل أن يجهز عليها الماتادور. هذه الجريمة ومثلها الآلاف، تحدث في دولة تدّعي الديمقراطية والحرية، وهي لم تخرج عن كونها مؤسسة عسكرية إجرامية. لا سيارة إسعاف، ولا إنقاذ، ولا محاكمة حتى ولو صورية؟ الذي لا يعرفه نتنياهو وجهازه العسكري والمالي، هو أنه بغطرسته، هو أول مَن يخلق وينمّي ما يُسمِّيه إرهابًا، ما دام مفهوم الحرية، وحق الوطن أصبح إرهابًا. كل سبل السلام قوّضتها مؤسساته، ومجموعاته السياسية المتطرّفة، والمرايا التي لا تظهر له إلاّ ما يشتهي رؤيته. ماذا بقي من الاستعمارات السابقة في التاريخ؟ لا شيء؟ إلاّ أسماء كبيرة لشهداء الحق الإنساني، ننحني أمامهم كلّما عبرنا الكرة الأرضية، وظلال طغاة صغار، مسحت رياح الحق والتاريخ حتى غبار رفاتهم، وظلوا مجرد لطخة عابرة، ولن يكون مصير نتنياهو وزبانيته بأفضل من هؤلاء القتلة.

أخبار ذات صلة

مشروعك.. الطريق الذي يعيدك إلى نفسك!
ثيميستوكليس المنتخب السعودي!!
الترند.. ظاهرة العصر
دعوة للاهتمام بريفنا الجميل
;
هل العلاج بـ«الببتيدات» يسبب السرطان؟
أين الكفاءات الوطنية في غرف التقييم؟
حفظ النعمة
الوسطية ما بعد الإمبريالية
;
ظاهرة الاستفزاز المربحة
لا تستثمر في أبنائك!
هل كريستيانو صفقة رابحة أم خاسرة؟ (2)
30 يومًا.. بالعناية المركزة أعادت ترتيب حياتي
;
سر الأمن.. في رحلة العمر
من لندن إلى مكة.. رحلة إيمانية خالدة
نكد بلس !!
حج 1448.. موسم يبدأ قبل أن يبدأ