جيلٌ يرحل.. ومدوّناتٌ تغيب

جيلٌ يرحل.. ومدوّناتٌ تغيب
** في كلّ مرّة يودّع المجتمع شخصيةً لها حضورها وكينونتها، من خلال الأعمال الإدارية التي تقلَّدتها، واستطاعت أن تحقّق إنجازات عديدة على المستويين المحليّ والإقليميّ، نجد أنفسنا أمام سؤال تقليديّ، وهو: هل تركت مذكّرات شخصية، دوَّنت فيها ما يمكن أن يقف الآخرون عليه من مواقف، وأحداث تتعدّى الجانب الذاتيّ إلى جوانب أخرى؛ ممّا يمكن أن يُطلق عليها هموم المجتمع الذي تنتسب إليه تلك الشخصية، وآخرها رحيل الأستاذ هشام محيي الدين ناظر، الذي قضى في العمل الإداريّ ما يزيد على نصف قرن من الزمن، وفي معظم الأحيان تأتي الإجابة صادمةً، أيّ بالنفي، بل ممّا يمكن أن يدخل في باب مسؤولية الإعلام والصحافة في إلقاء الضوء بأسلوب علمي دقيق، كاشفة عن الانعطافات الهامّة في مسيرة هذه الشخصية، أو تلك، بينما نجد الصحافة الغربية تورد تحت عنوان Obituaries «مقالات النعي، أو الرثائية»، معلومات دقيقة عن الشخصيات التي رحلت، ليس في عالم السياسة وحده، بل في جميع مجالات النشاط الإنسانيّ، كالفن، والرياضة، والأدب، وما يندرج تحت هذه العناوين الرئيسة، وكان من آخر ما قرأته ترجمة وافية لواحد من أهم رموز السياسة في بريطانيا، وهو اللورد هيلي Healey الذي تسلّم في حكومتي ويلسون العمّالية أهم وزارتين وهما: الدفاع، والمالية، ورحل عن عمر ناهز 98 عامًا، 1917-2015م. ولعلّه من باب الصدفة المحضة أن هذه الشخصية التي كانت تتمتّع بالقدرة الخطابية المؤثّرة في مجلس العموم البريطاني، نجده في ثنايا مذكّراته التي نشرها في حياته، وحملت اسم: The Time Of My Life، 1989م ، يتحدّث عن بعض الشخصيات العربية التي عرفها عن قرب، وفي مقدمتها كلّ من شخصية معالي الأستاذ أحمد زكي يماني -أمدّ الله في حياته-، ومعالي الأستاذ هشام ناظر -رحمه الله- كما يقر المتحدث باسم مجلس العموم الراحل جورج توماس بأن الأستاذ يماني هو الذي فتح له آفاق المعرفة بالدين الاسلامي وخصوصاً في ما يتصل بالجانب الاجتماعي والروحي الذي يتميز به الدين الاسلامي عن بقية الديانات الاخرى وخصوصا بالجوانب الروحية والاجتماعية. ولعلّ مسؤولية هاتين الشخصيتين عن صناعة النفط عصب الحياة الاقتصادية في الغرب، إضافة إلى عامل هام، وهو تلك الثقة التي وضعتها القيادة الرشيدة فيهما، كان من بواعث الاهتمام بهما إشادةً، وتنويهًا.** في الحقبة الماضية فقدت بلادنا كذلك شخصيات هامَّة: مثل الشيخ عبدالله السليمان، ومحمد سرور الصبان، وناصر المنقور، دون أن يتركوا خلفهم مدوّنات خاصّة، حيث يمكن من خلالها أن نتعرّف على ملامح تلك الحقبة، والأدوار التي أدّوها، وخصوصًا في مرحلة التأسيس بعد توحيد الجزيرة العربية على يد الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- وكذلك الحقب التي تلت مرحلة التأسيس.** يستشهد الكثير من المتطلّعين إلى ضرورة تدوين تجارب الشخصيات التي عملت، وأنتجت، وأضافت إلى هذا البناء الوطني استشهادهم ينصبُّ على قدرة معالي الدكتور غازي القصيبي -رحمه الله- على تدوين سيرته بمقدار من الشفافية في كتابه «حياتي في الإدارة»، حيث تقلّد عددًا من الوزارات، إضافة إلى اشتغاله بالإبداع الأدبي شعرًا، ونثرًا، وروايةً، ولعلّ الجانب الإبداعي عند القصيبي كان واحدًا من العوالم التي مكّنته من تدوين ما يمكن تدوينه من خلال المسؤوليات التي قام بها بكفاءة عالية، ولكن يجب أن نتذكّر عند مقاربة هذه القضية هو اختلاف السياق الحضاريّ والفكريّ في العالم الغربيّ عن عالمنا الذي تحكمه، أو تضبطه عادات وتقاليد راسخة لا يمكن تجاوزها، أو القفز عليها، وربما تفاجئنا الأيام بمن يكون بمقدوره فتح هذا الباب الموصد، ويكون من الجرأة المحمودة في تدوين ما يمكن أن يكون نبراسًا للأجيال الصاعدة من القيم والعادات التي نسعى أن يتعمَّق في مدلولاتها جيلٌ له وسائله، وأدواته الخاصّة به، والتي هي جزء من مد عالمي هيَّأته وسائل الاتّصال الحديثة لا يستطيع أحد الوقوف أمام جموحها وانفلاتها.

أخبار ذات صلة

مشروعك.. الطريق الذي يعيدك إلى نفسك!
ثيميستوكليس المنتخب السعودي!!
الترند.. ظاهرة العصر
دعوة للاهتمام بريفنا الجميل
;
هل العلاج بـ«الببتيدات» يسبب السرطان؟
أين الكفاءات الوطنية في غرف التقييم؟
حفظ النعمة
الوسطية ما بعد الإمبريالية
;
ظاهرة الاستفزاز المربحة
لا تستثمر في أبنائك!
هل كريستيانو صفقة رابحة أم خاسرة؟ (2)
30 يومًا.. بالعناية المركزة أعادت ترتيب حياتي
;
سر الأمن.. في رحلة العمر
من لندن إلى مكة.. رحلة إيمانية خالدة
نكد بلس !!
حج 1448.. موسم يبدأ قبل أن يبدأ