«عن الثقافة سألوني»
قالها في مجلس عام، وهو يعتدل في جلسته؛ فتساءل بعضنا إن كان الرجل قد أخطأ المكان الصحيح! فأي حديث يبدأ هكذا، لابدّ أن يكون صاحبه منظِّرًا، وكم مللنا من هذه المقولات السخيفة عن الثقافة، وعن المثقف، في كثير من مجالسنا العامة و»صواليننا» الأدبية، يلقي أحدهم بالمفردة، فيبدأ المنظِّرون ويبدأ الاختلاف.وكم نكتشف من غرائب الفهم لهذه المفردة كل وقتٍ وحين، ولكن المحصلة النهائية أننا أضعنا كثيرًا من الوقت بلا فائدة ولا مردود.هذه المقولات وهذا الجدل مكانه المناسب المدارس والكليات المتخصصة، لتخدم الذين يدرسون فيها، فيتعلمون معايير الجمال في الآداب والفنون، والإحساس بها وتذوّقها، أما أن نقحم كل ذلك على الناس عمومًا، حتى وإن بلغوا الدرجات العليا في التعليم فغير مناسب، لأن ذلك نوع من إقحام العلم على من لا يسعى إليه، أو من لا يهتم به، أو من لا يُحب معرفة النظريات والاختلافات الثقافية أو مدارسها.ولكن الأولى والمنشود -في مجالسنا الأدبية- هو البحث عن المنتج الثقافي، ومناقشته، والاعتناء به، وقياس تطوره، ومقارنته بالنتاج الفكري العالمي، والآداب الحاضرة والسابقة، بالاختصار: العناية بالمنتج النهائي وليس العناية بالتجريد.بيد أنه يبدو أن معظمنا مولع بالمسائل الجدلية التي ليس لها إجابات واضحة دقيقة، فبالإضافة إلى «الثقافة» و»المثقف»، هناك التساؤل عن تعريف «المبدع» و»الإبداع» وغير ذلك، وقد أشار أحد الزملاء أن ما يراه أحدنا إبداعًا قد يراه الآخر غير ذلك، ومن يُعتبر عند أحدهم مبدعًا قد لا يمتلك أدنى صفات الإبداع عند آخرين، والحقيقة هي أن ليس هناك وجود لـ»مسطرة» يُقاس بها الإبداع، أو تُقاس بها الثقافة، إلا أن هناك حدودًا دنيا من المواصفات يجب أن يمتلكها ويحتوي عليها النص أو النتاج الثقافي أو الفني أو الأدبي، في جميع الآداب والثقافات والفنون العالمية لكي تُصنَّف كذلك.حضرتُ منذ أسبوعين محاضرة عن «الإبداع» في أحد الملتقيات الثقافية بجدة، فتلقَّى المحاضر سيلاً من الأسئلة والمداخلات.وبدلاً من أن تكون الأسئلة والمداخلات منصبّة على مناقشة موضوع الإبداع وما يمتُّ إليه، انصبّت على انتقاد الجهة الحكومية التي يعمل فيها المحاضر، فكان مذهلاً لي أن استُعيض عن مناقشة الموضوع الذي جئنا من أجله بموضوع آخر جانبي، ففتح ذلك التصرف في ذهني كثيرًا من التساؤلات عن حقيقة جدارتنا الفكرية في نقاش موضوعات دقيقة مثل «الثقافة» أو «الإبداع».