يا مركب الـهند يبو دقلين
تاريخ النشر: 17 يوليو 2016 00:13 KSA
لن تستطيع أن تجعل من إنسان شاعراً إن لم تكن عنده موهبة الشعر. قد تُدرّسه اللغة، والعروض، وأشعار الأقدمين، والشعراء المعاصرين، والآداب كلها؛ لكنك لن توفَّق إلا في أن تقدّم للناس ناظماً وليس شاعراً، إن كانت عنده القابلية. وكذلك الصحافي. قد نُدربه وندرِّسه ويتخرج في أرقى الجامعات وفي أفضل كليات الإعلام في العالم؛ فلا تحصل إلا على «مهني» يحترف العمل في الصحافة، ويعرف أصولها وخلفياتـها، ويأكل من خيرها؛ لكنه لن يكون صحافياً حقيقياً. هناك شيء إضافي لا بد من توفره فيه، مثل حالة الشاعر، شيء لا يُدرّس ولا توجد «كليات» تعلِّمه. إنه موهبة الحس الصحفي. وانظروا إلى الأعداد المهولة من خريجي «كليات الإعلام» في بلادنا وفي غيرها. كم أخرجت لنا من صحفيين حقيقيين بالمعنى الدقيق للكلمة؟ علي محمد حسون (رئيس تحرير صحيفة البلاد المستقيل مؤخراً) من هؤلاء الذين وُهبوا ذلك، فنمت وتطورت موهبته الصحفية في هذه الصحيفة الغراء (المدينة)، عندما كان مديراً لمكتبها في المدينة المنورة، فكانت إبداعاته الصحفية المتميزة في عهد الأميرين عبد المحسن بن عبد العزيز وعبد المجيد بن عبد العزيز عليهما رحمة الله. ثم انتقل تميّزه إلى المركز الرئيس للصحيفة بجدة مديراً للتحرير، ثم انتقل إلى صحيفة البلاد الغراء نائباً لرئيس التحرير، ثم رئيساً للتحرير. وقد بين في مقاله الأخير فيها والموسوم «تلويحة الوداع» بأن مشواره الصحفي قارب خمسين عاماً.وأبو الحسن ليس صحفياً كبيراً فقط، وإنما هو قاص مبدع وروائي ذو بصمات محلية لافتة. لكن الصحافة أشغلته كثيراً. ولطالما قلتُ بأن الصحافة «محرقة المبدعين» لأن الركض اليومي فيها لا يسمح لهم باستقطاع الوقت لإبداعاتهم. لكنه كان يسرّب من وقت لآخر، في كتاباته الصحفية، بعض إبداعاته القصصية. ولعل الوقت الآن مناسب ليلتفت إلى تلك الموهبة المهملة لمدة طويلة.كم تحدثنا معاً عن كتابه الذي تأخر كثيراً عن الأمير عبد المجيد، وكتابه عن تاريخ نادي أُحُد الرياضي (فقد كان أحد لاعبيه)، وعن كتابات مختلفة منها ذكرياته مع الأمير عبد المحسن، وعن شخصية الشاعر حسن صيرفي في الشعر وفي الرياضة، وعن تجميع قصصه القصيرة في كتاب أو اثنين، وغير ذلك. فلعله يترك التسويف ويتفرغ للإبداع لأنه هو الأهم. فالكتاب يعيش قروناً بينما الصحيفة لا تتنفس إلا يوماً واحداً.أكتب هذا المقال عن رجل كتب عن رجال كثر في شتى المجالات في بلادنا، منهم السابقون ومنهم المعاصرون، رجلٍ ذي قبول اجتماعي واضح؛ بيد أني لم أر أحداً قد كتب عنه، وهذا مستغرب ونادر. فلعل هذا المقال يذكِّر الذين نسوا أو انشغلوا.في إحدى قصائدي كان هذا الشطر من الشعر: «قد كُنتَ رُبّاناً على ذاك العُبابْ»، فلعله ينطبق عليه في رحلته الشاقة في بحر الصحافة. أو لعله يذكرني بأول لقاء لي معه عندما أسمعني لأول مرة «يا مركب الهند يبو دقلين» لمحمد عبده، وكنتُ مشغولاً بصوت آخر.